السبيل أونلاين - آراء وتحليلات
علاقة الدولة بالفرد
يقول عبد الرحمان الكواكبي في كتابه طبائع الإستبداد: "قيل لأحد النبلاء: لماذا لا تبني لك داراً؟ فقال ما أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر".
و تأسيساً على هذه الرؤية يُمكن أن يُفهَم الواقع المزري لنبلاء بني البشر وشرفائهم، وعبر التاريخ الإنساني، في علاقاتهم مع سلطات بلدانهم التي تعمل فيهم تنكيلاً وتشريداً قسرياً، و قد عُرِف عن السلطة من خلال تاريخها الطويل، احتقارها لمواطنيها، وتسخيرهم لخدمة مصالحها الشخصيّة. إذ رفع الحكام العرب سيف البغي على رقاب شعوبهم، وعاثوا فيهم فساداً وتخريباً وتسلّطاً وإرهاباً، وحكموا بلدانهم حكماً دكتاتوريّاً فرديّاً، واعتبروا أنفسهم أوصياء وأسياداً، وأصحاب سلطة مطلقة على شعوبهم.
و حتّى تستطيع السلطة الإستبداديّة في الدول العربية أن تسمو فوق الجميع، عليها أن تعمل ـ وبكلّ جهودها المدروسة و المنظّمة ـ على إبقاء شعوبها جاهلة، لأنّها ترى في الجهل واحداً من الشروط الأساسيّة التي تمثّل قوتها، وتعزز في هذه الشعوب فكرة قبول التقاليد بحذافيرها ودون نقاش. وليس غريباً أن تتقيّد هذه الشعوب بالتقاليد، لأنّها شعوب مسحوقة بعملها اليوميّ، ومحرومة من الترفيه، ومن النشاط الفكري. إذ يجد المواطن نفسه ومنذ الصغر، وفي مختلف ظروف حياته، محاطاً بهذه التقاليد التي يزرعها في أعماقه جمع من المسمّين الرسميّين من كلّ الأصناف الكهنوتيّة، بحيث تصبح هذه التقاليد ضرباً من العادات الذهنيّة والأخلاقيّة الأقوى في معظم الأحيان من عقله السليم الطبيعي. حسب ماأورده "باكونين ميخائيل" في كتابه: الإله والدولة.
السلطة وواجباتها:
إذا كان من المعروف أنّه يكمن وراء انتشار السلطات الاستبداديّة في جميع أنحاء العالم، أمراض محليّة متشابهة، تظهر في أمكنة متعددّة متباعدة، وتختلف نسبة تأثيرها، فإنّ هذا التباعد في المكان الذي تظهر فيه الأنظمة الاستبداديّة، وهذا الاختلاف في النموذج والشكل، تبعاً لاختلاف الزمان والمكان، لا يمنع من كون هذه الأنظمة جميعها متّصلة مترابطة. ففي عالم أصبح من المستحيل فيه على بلد أن يحيا منعزلاً، ومكتفياً بذاته، لا مجال للنكران بأنّ ظهور نظام استبداديّ في مكان ما يؤدّي إلى ظهوره في مكان آخر عن طريق العدوى، وتبادل التأثير، والعلاقات التجاريّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة بين المكانيين. وإذا كان للسلطة جميع هذه القدرات الوبائيّة التدميريّة المتأصّلة ، فما هو تعريفها؟.
تشير الموسوعة الفلسفيّة الروسية إلى أنّ السلطة مفهوم يشير إلى النفوذ المعترف به كليّاً، لفرد أو نسق من وجهات النظر أو لتنظيم مستمدّ من خصائص معيّنة أو خدمات معيّنة مؤدّاة. وقد تكون السلطة سياسيّة أو أخلاقيّة أو علميّة.
و ينضوي تحت هذا المفهوم عدة أنواع من السلطات:
1 ـ السلطة النفسيّة: وهي ما يطلق عليها إسم السلطان الشخصي، والتي تتمثّل في قدرة الإنسان على فرض إرادته على الآخرين، نظراً لقوّة شخصيته وشجاعته، وقدراته العقليّة المتفوّقة.
2 ـ السلطة الشرعيّة: وهي السلطة المُعترف بها في القانون، كسلطة الحاكم والوالد والقائد.
3 ـ السلطة الدينيّة: وهي مستمَدّة من الوحي الذي أنزله الله على أنبيائه، ومن سنن الرسل، وقرارات المجامع الدينيّة المقدّسة، واجتهادات الأئمة.
4 ـ سلطة الأجهزة الاجتماعيّة التي تمارس السلطة، كالسلطة السياسيّة، والتربويّة، والسلطة القضائيّة، وغيرها حسب الدكتور جميل صليبا في كتابه المعجم الفلسفي.
فإذا كانت السلطة هي الوظيفة الاجتماعيّة التي تقوم على سنّ القوانين، وحفظها، وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، وهي التي تعمل على تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة، حسب ماعرّفها "وليام لابيار" في كتابه: السلطة السياسية. نقول إنّها الوظيفة التي لا غنى عنها لوجود الجماعة ذاته، لاستمرارها، ولمتابعة نشاطها. من هنا بالذات، إنّها تلك الوظيفة القائمة على اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة. فـالتنظيم، والتقرير، والحكم، والعقاب، هي المهامّ التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت. على أنّ هذه الوظيفة الاجتماعيّة عندما تنحرف عن مسارها الأخلاقيّ، وتكرّس نفسها لخدمة فئة من أصحاب النفوذ، فإنّها تصبح المنتهِكة الأولى للقوانين، والمتجاوزة والمحرِّفة لها، بحيث تصبح هذه القوانين أداة طيّعة تخدم مصالح أصحاب النفوذ، وتضرّ بمصالح الآخرين من الطبقات الأخرى، وتستعبدهم. وهنا تنفصل السلطة عن الشعب، وتدافع عن مصالح المستغلّين، وهم الأقليّة في المجتمع. ويمارسها الأشخاص الذين يصبح الحكم بالنسبة إليهم مهنة.. أمّا المؤسسات الرئيسيّة الهامّة الملحقة بالسلطة العامّة، فهي المحاكم والسجون و غيرها من المؤسسات العقابيّة.
و في ظلّ سيادة أقليّة من الناس يسود الإستغلال والإستعباد، وتتحوّل الشرائح الإجتماعيّة العريضة إلى مجموعة من العبيد المنتجين، الذين يقدّمون طاقاتهم الإنتاجيّة إلى فئة الأقليّة، ومن هنا فإنّ الدولة التي تكون على رأسها سلطة مستبدّة طاغية، ستكون دائماً تحت تصرف تلك الطبقة من المجتمع، التي لها سند قانوني في ملكية أدوات الإنتاج. وما تصدره الدولة من قوانين، إنّما تصدره لصالح هذه الطبقة، كما أنّ حقّ الملكيّة الذي تحافظ عليه، ليس إلاّ حقّ تلك الطبقة في ملكيتها. ومن ثمّ فإذا كان عدد الذين يملكون، في دولة من الدول، ضئيلاً فإنّ القانون سوف يتحيّز لصالح هذه القلّة. وإذا كانت الجماعة بأكملها هي التي تملك، فسوف يتحيّز القانون لصالح الجماعة كلّها، ضدّ المصلحة الخاصّة لبعض الأفراد. على أنّ السلطة الإستبداديّة، ومن خلال ممارساتها وأدوارها التاريخيّة، لا تفكر مطلقاً في أن يكون المجموع الإنسانيّ الذي تحكمه مالكاً، لأنّ امتلاك هذا المجموع سيدفعه إلى أن يتحرر اقتصاديّاً وبالتالي يدفعه إلى التمرّد و كسر عصا الطاعة المفروضة عليه، وهذا لا تريده السلطة الإستبداديّة، لأنّ التحرر الإقتصادي للمجموع الإنسانيّ مقدّمة للتحرر السياسي والإنساني. و قديماً قال فقهاء السلطة الإستبداديّة: "جوّع كلبك يتبعك"، فالدولة المستبدّة والمستغِلّة، تطمح دائماً إلى التعالي على أفراد شعبها، وإلى الإنفصال عن المجتمع، وإلى وضع نفسها فوقه. وهي تنجح في ذلك بقدر ما يكون تعبيرها عن مصالح الطبقة المستغِلّة السائدة اقتصادياً.
فسق الحاكم أهون من ظلمه:
إنّ الحكّام الطغاة، ومنذ أقدم العصور، اعتقدوا أنّ سعادتهم يمكن أن تتحقق بوسائل تستلزم فرض البؤس على الآخرين. ومن أهمّ مقوّمات هذه السعادة عند هؤلاء الطغاة، جعل الآخرين عبيداً لهم، واستغلالهم، وإذلالهم، والسطو على ممتلكاتهم، كما فعل أخيرا مع أحد أزواج المعتقلين السياسيين التونسيين العائدة من الخارج، واغتصاب نسائهم، وحبك المؤامرة ضدّهم تمهيداً لقتلهم.
ونظراً لفعل السلطة الإستبداديّة، التخريبيّ، وتشويهها لمجمل العلاقات الإجتماعيّة والإنسانيّة، فقد اشترط الفلاسفة والفقهاء ـ و درءاً لجور الحكّام والخلفاء وفسادهم ـ مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر في الحاكم أو الخليفة، حتّى يستطيع أن يكون كفؤاً للمنصب السلطويّ الخطير الذي يتقلّده. فالفلاسفة السياسيّون رأوا ضرورة أن يكون الحاكم ذكيّاً وحكيماً، وفاضلاً خلوقاً، واتّفقوا عل أنّ المرء لا يمكن أن يمتلك فضيلة الذكاء الحقيقيّة دون أن يكون في الواقع حكيماً، ولا يمكن أن يكون حكيماً دون أن يكون فاضلاً خلوقاً، وعلى معرفة بالفنون التطبيقيّة، ولا يمكنه أن يكون حكيماً إلاّ إذا اتصف بجميع صفات الحاكم الفاضل ونزعاته. ومن هنا فإنّ مثل هذا الشخص يجب أن يحكم إخوته البشر من أجل مساعدتهم، وذلك بالحثّ والإقناع إن أمكن، أو بالإكراه والإلزام إن لم يكن ذلك ممكناً. ومن مهمّته أيضاً أن ينمي الفضائل الإنسانيّة لديهم في حدود إمكانهم.
أمّا فقهاء المعتزلة فقد اعتبروا أنّه يجب أن تتوافر في الإمام مجموعة من الشروط، باعتباره حاكماً أعلى في الدولة، وهذه الشروط هي:
1 ـ العدالة على شروطها الجامعة. فهل توفرت العدالة في حكامنا اليوم؟
2 ـ العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في الأمور المتجددة والأحكام. أحد الرئساء العرب أخذ السلطة وهو لم يدخل جامعة قط.
3 ـ سلامة الحواسّ، من السمع والبصر واللسان. حكامنا لايسمعون ولايبصرون إلا مصالحهم الضيقة.
4 ـ سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض. وياليتهم كانوا مقعدين.
5 ـ الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة وتدبير المصالح. رأيهم خسران وراء خسران!
6 ـ الشجاعة والنجدة، وحماية الأمّة، وجهاد العدو. يخافون من ظلهم.
7 ـ النسب.. حكامنا نسبهم غير معروف، أو لانسب لهم كما يقول نزار قباني أو أحمد مطر.
و يحدد ابن طباطبا المعروف بابن الطقطقي أهمّ خصال الحاكم الفاضل القادر على قيادة الأمّة، ورعاية حقوق أفرادها. وهذه الخصال هي:
1 ـ العقل: وهو أصل هذه الخصال وأفضلها، وبه تُساس الدول والمِلل.
2 ـ العدل: وهو الذي تزداد به الأموال، وتعمر به الأعمال، وتُستصلح به الرجال.
3 ـ العلم: وهو ثمرة العقل، وبه يستبصر الملك، ويأمن الزلل في قضاياه وأحكامه، وبه يتزيّن الملك في عيون العامّة والخاصّة، ويصير به معدوداً في خواصّ الملوك.
4 ـ الخوف من الله: وهذه الخصلة هي أصل كلّ بركة، فالملك متى خاف من الله أمِنَه عباد الله.
5 ـ العفو عن الذنوب وحسن الصفح عن الهفوات: وهذه أكبر خصال الخير، وبها تُستمال القلوب، وتصلح النيّات.
6 ـ الكرم: وهو الأصل في استمالة القلوب، وتحصيل النصائح من العالم، واستخدام الأشراف.
7 ـ الهيبة: وبها يُحفظ نظام المملكة، ويُحرس من أطماع الرعيّة.
8 ـ السياسة و الوفاء بالعهد: والسياسة هي رأس مال الملك، وعليها التعويل في حقن الدماء وحفظ الأموال، ومنع الشرور، وقمع الدُعّار والمفسدين. والوفاء بالعهد يسهم في طمأنينة النفوس، ووثوق الرعيّة بالملك إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه مُعاهِد.
9 ـ الاطلاع على غوامض أحوال المملكة، ودقائق أمور الرعيّة، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته.
تشير الأدبيّات التاريخيّة و الفقهيّة الإسلاميّة إلى أنّ المسلمين ـ باختلاف فرقهم الإسلاميّة ـ لم يتفقوا على شروط واحدة تتوافر في الشخص حتّى تؤهله لأن يكون خليفةً، أو حاكماً للمسلمين يرعى مصالحهم، ويدافع عن أوطانهم، ويقيم العدل، إلاّ أنّهم اتّفقوا جميعاً على أن يكون متصفاً بالعدل و الورع و العلم. حتّى لا يُصاب المسلمون منه بالأذى، وحتى يكون قادراً على أن يعفّ عن أموالهم وممتلكاتهم، وأعراضهم. وما دون ذلك فهو احتقار لعقول المسلمين، وطموحهم إلى إقامة العدل، والعمل بما جاء به كتاب الله و سنّة نبيّه، وهو دعوة إلى إلغاء طاقة العقل الإسلاميّ، لأن يكون بنّاءً، ومسهماً في بناء الحضارة الإنسانيّة، ومجدداً في روح النصوص الفقهيّة. وبهذا الصدد تشير الأحاديث النبويّة إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى معارضة الحاكم الجائر، وعدم طاعته. ويُروى عنه أنّه قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر"، و"من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الإسلام"، و"إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه".
و كان بعض أئمة المسلمين من يرى ضرورة الثورة على السلطان الظالم استناداً إلى الحديث النبويّ القائل: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". على أن بعضهم الآخر رأى أنّ السلطان الكافر العادل، خير لرعيّته من السلطان المسلم الجائر، ويروي ابن طباطبا أنه لمّا فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ستّ وخمسين وستمائة، أمر أن يُستفتى العلماء أيّما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟ ثمّ جمع العلماء بالمستنصريّة لذلك، فلمّا وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، وكان رضيّ الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس، وكان مقدّماً محترماً، فلمّا رأى إحجامهم تناول الفتيا، ووضع خطّه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده. وهنا لايهمّنا أن نناقش رأي الإمام أحمد بن حنبل، القائل بضرورة إطاعة الحاكم برا كان أو فاجرا، ومدى صحته، لكن ما يهمّنا هو: إلى أيّ مدى أسهم الفقهاء في الدولة الإسلاميّة قديما في مناصرة الخلفاء، والمثقفون اليوم في مناصرة حكّامنا على جورهم و فجورهم؟ وإلى أيّ مدى اعتبر بعض الخلفاء في الدولة الإسلاميّة قديما، وحكّامنا اليوم هذا الرأي مبرراً ينطلقون منه لتأسيس سلطة خلافتهم، أو حكمهم على الإستبداد والقهر، واعتبار كلّ من يخالفهم الرأي متمرّداً عليهم، وخارجاً على طاعتهم، وبالتالي خارجاً على رأي الأمّة، أو غير وطني.
إذا كان معظم الفقهاء والمؤرخين اتفقوا جميعاً على أنّه يجب أن تتوافر في الحاكم، سواء أكان خليفة أم ملكاً، أم غير ذلك، صفات العدل والورع والعلم، هذه الصفات التي تجعل من يتحلّى بها قادراً على قيادة الأمّة وسياستها، وجعل مواطنيها ينعمون بالسلام والأمان، وفي منأى عن الدكتاتوريّة والاستبداد، فإنّ معظم الحكّام العرب وعبر تاريخهم الطويل كانوا مستبدّين، فقد أحدثوا في مجتمعاتنا شروخاً طبقيّة واسعة، وسلّموا مقاليد دولهم لمجموعة من الوزراء الطغاة والولاة الظلمة، وامتلكوا الثروات الكثيرة، والقصور الفاخرة المترعة باللذائذ، وما أقاموا عدلاً في توزيع ثروات البلاد. بل غدت مدننا مليئة بالفقراء والجياع. وخير ما يُستدلّ به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في بناء وفخامة القصور، وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبّهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك والرئساء رعاياهم عوضاً عن العقل. يُضاف إلى ذلك أنّ الكثير من هؤلاء الحكّام هم فسقة وجهلة، وغابت عن حياتهم مظاهر الورع والعفّة، والإهتمامات العلميّة والمعرفيّة، وطغى عليها التهالك على امتلاك النساء والجواري، والإنهماك بالملذّات من طعام وشراب، حتى أن أحد أفراد السلك الدبلوماسي الإيطالي السابقين في إحدى الدول الخليجية، أنه دعي إلى مؤدبة عشاء طولها حوالي عشرة أمتار وهم كانوا عشرة أشخاص، ورمي باقي الطعام في الزبالة، وقد صور تلك المائدة واحتفظ بالصورة ليريها للعرب أنفسهم، وطرب وموسيقى. ولو تمادينا في القص ستتراءى أمامنا مزيد من ملامح هؤلاء الحكام، وممارساتهم في قصورهم وبين أفراد شعوبهم المستلبة قهرا وخنوعا واستعبادا.
حكّامنا ثعالب محتالة:
آثرتُ أن أنبّه المساكين أمثالي ما تنبّه له (الديكُ) من (الثعلب) اللعين في رائعة الشاعر أحمد شوقي، حين أرسل (الثعلبُ) مبعوثَه يطلب الدّيك للأذان، لأنّه قرّر التوبة والصلاح والصلاة! فأجابه الدّيكُ الفَطِن:
"بلِّغ الثعلبَ عنّي عن جدودي الصالحينا.. عن ذوي التيجانِ ممّن دخلَ البطنَ اللّعينا.. أنهم قالوا وخيرُ القولِ قولُ العارفينا.. مخطئٌ مَنْ ظنّ يومًا أنّ للثعلب دينا".
وكما في كل العالم ثعالب، فهاهنا عندنا العرب ثعالب، وحيثما تُوجَد دجاج وخراف فثمّة ثعالب، ومثلما هناك حيَلٌ تجارية وتقنيّة، هناك حيَلٌ سلطويّة، وسياسية، وبرلمانية.
يقول الرئيس بن علي في الذكرى الخامسة للتحول في نوفمبر 1992: "نجدد عهدنا مع التغيير والإصلاح، حتى تكون تونس غدا خيرا مما هي اليوم"، فهل حقيقة وفى جزءا مما تعهد به؟ أم أنه...
إن الذين يُسيّلون لُعاب الناس، بوعود سياسية، وبرلمانية، وبمساكن وزيادات ورفاه، ثمّ ثعالب بل "هباء"، والذين يعِدون الناس بمفاتيح الجنّة بأفعالٍ هزيلة قوامُها الولاء الشخصي لجنابِهم، ثمّ مستقبلاً يُدركون الخديعة، أو يُدركونها متى انتقلوا لجرد حسابهم بالعالَم الآخر، فيُصدَمون بأنّ الحاكم الفلاني! قد احتالَ عليهم.
ولقد نبّه الشاعر شوقي لهذا ببداية قصيدته الآنفة، قائلاً:
"برزَ الثعلبُ يومًا في شعارِ الواعظينا.. فمشى في الأرض يهذي ويسبُّ الماكرينا.. ويقولُ الحمدُ للهِ إله العالمينا.. يا عبادَ الله توبوا فهو كهفُ التائبينا"!
البعضُ لا يعظ إلاّ دفاعاً عن سلطانه، يُنشئ موعظةً عن الوطنية، لأنّه احتمش ممَّن انتقدوه! ومحاضرةً في الحرية دون تقيد بها، بل ليُطابق أوصاف الحرية بأحواله فيتمدّحونه به، وخطبةً عرمرميّة مكتوبة له من قبل في الطاعة العمياء، والقيادةِ وشرعيّتها، ونصوصِها، لأنّه أحسّ بتململ اعترضَ على قيادته (الثعلبيّة!).
واجبُنا وواجب المثقف الشفّاف فضحُ (الثعالب) والتحذير منهم، كما فعلتْ (ليلى) بِطرفة تُروى أنها رأتْ (الذئب) مختبئاً وراء شجرة، ففاجأته: ألستَ الذئب؟! ففرّ واختبأ خلف صخرة، فأطلّت وفاجأته: ألستَ الذئب؟! فهرعَ إلى مغارة، فلحقته واقتحمت عليه: ألستَ الذئب؟! فأجاب غاضبا: "نعم، أنا الذئبُ ابنُ الكلب، فقط دعيني أختلي لأقضي حاجتي!"، لهذا علينا ألاّ نجعل سلطانهم المنتفخ يقضي حاجاتهم!
فماهي العلاقة بين الفرد والسلطة؟ يبقى السؤال مطروحاً من غير الوصول إلى إجابة محددة ومقنعة حول هالتها ومكانتها في راهن وضعنا المتذبذب، يدفعنا الشك لمراجعة تراكمات التاريخ السياسي للحكومات التي تناوبت على ديمومة السلطة، رغم أوجه الإختلاف بين توجهاتها ومسالك إداراتها لدفة الأمور، لبيان التصادمات الفكرية والإتهامات غير المنتهية بين الطرفين المتضادين، كون التاريخ حاضنة الوعي الكامل للوجود، فيه تخمد أوان الصراعات بشكل محايد ومستسلم إلى حدٍ ما، ما لم تتلصص أقلام ولغاية ما تحفر في الصخور للبحث عن شذرات ضوء تفيد أو تسند فكرة موضوعة، فالتاريخ كما يقول الدكتور قاسم عبده قاسم "أنه أشبه بنهر يتدفق من المنابع إلى المصب، حاملاً كل التفاصيل والدقائق والمواقف والأحداث والشخصيات والظواهر"، لابد من قراءة غير تقليدية وعدم التباهي خطابياً من طرف السلطة، بما تم الإعداد من وعود تعرقلت تحت تبريرات جاهزة ومقنعة بطريقة أو بأخرى، أعدت سلفاً طالما الوعي الثقافي غائب أو مهمّش ويكون العقل عائماً في فراغ يبحث عن طوق نجاة.
كتبه : فتحي العابد