الخطاب السياسي والديني في تونس من خلال التجربة البورقيبية 9
السبيل أونلاين نت - كان الموقف من الدين تحدّده المرجعيات النظرية بإعطائه نفساً من التأويل والاجتهاد يوازي حركة التاريخ والتطور،فإن المواقف من السياسة تأخذ همّها اليومي، داخل طرق من التفكير، وصيغ من السلوك.تركزت الدولة بجميع هياكلها،وسادت أكبر مساحات الإقليم، فتحولت إلى هوية، وأداة لصناعة التاريخ.فقد تراجعت التكوينات...
بسم الله الرحمان الرحيم
السبيل أونلاين - في المسألة الحضارية – الحلقة السادسة
الخطاب السياسي والديني في تونس من خلال التجربة البورقيبية (9)
تأطير ورشة حضاريات :
هذه هي الحلقة السادسة في محور"المسألة الحضارية"، وقد خصصناها لرسالة أعدت لنيل رسالة الماجستير بكلية التاريخ بالجامعة اللبنانية في التسعينات من القرن الماضي بعنوان (الخطاب السياسي والديني في تونس من خلال واقع التجربة البورقيبية 1956-1987) للتونسي صلاح القطايفي .
عثرنا على هذه الرسالة المغمورة والمغمور صاحبها، رغم أهمية موضوعها. وقد وجدناها رسالة بذل فيها صاحبها جهدا واضحا في تناول موضوع مهم يتعلق بالواقع التونسي ، خاصة في هذه المرحلة الحرجة الذي تمر بها البلاد وتمر بها الحركة الإسلامية بتونس.
إن موضوع الرسالة تتطرق ضرورة إلى موضوعات الدين والدولة والعلمانية والسياسة والحركة الإسلامية، وإلى جذور وجودها في الواقع التونسي الحديث. ونحن في هذه المرحلة الحضارية الدقيقة التي يمر بها بلدنا أحوج ما نكون إلى وقفات من هذا القبيل، وإلى رجوع إلى الجذور وإلى الأصول، وإلى مقارنة ما أصبح عليه الواقع بكل ذلك...
سنقدم هذه الرسالة - التي يتجاوز حجمها 100 صفحة - على أجزاء ، أحيانا مع تخفيفٍ واختصار من تعقيدات الأكادميين وأهل الإختصاص، وأحيانا أخرى مع تخفيفِ أو إسقاط بعض الفقرات التي قد ترهق أو لا تهم المتابع غير المختص ، وكل ذلك مع ما يقتضيه أحيانا من تصرف خفيف في الصياغة للربط والوصل.
يقدم صاحب البحث رسالته بقسم منهجي، وقد قدمناه في الجزأين الأول والثاني ، ثم بمدخل نظري جعلناه قسمين، وقد قدمنا الأول منهما في الجزء الثالث من هذه السلسلة، وقد تناول تطور العلاقة بين الديني والسياسي، منذ تبوئ الإسلام هذه البلاد إلى بداية عهد الاستقلال ، وهيمنة الدولة الحديثة على المؤسسات الدينية، وبروز الصراع بين مشروعين حضاريين؛ و قدمنا الثاني منهما في الجزء الرابع من هذه السلسلة وذلك في العنصرين التاليين: الدولة الحديثة، الاجتهاد وتأويل المراجع الدينية / الإسلام الاحتجاجي ووظيفة الاستثمار المزدوج للدين والسياسة .
بهذا نكون قد أنهينا تناول المقدمات لنبدأ تناول الفصل الأول من جملة فصول البحث الخمسة، وهو فصل بعنوان "التراكمات التاريخية – الاجتماعية ووظيفة الخطاب النهضوي الإصلاحي "، ويشمل قسمين، الأول منهما يتناول "الضوابط النظرية وآليات التفكير"، وقد تناولناه في الجزء الخامس من هذه السلسلة ؛ والثاني منهما – الذي خصصنا له الجزء السادس - يتطرق إلى السياسي والديني مكانة ووظيفة .
وأما الفصل الثاني، فهو بعنوان (قراءة تأليفية لأنماط الخطاب الإصلاحي والتحديثي في تونس)، وقد بدأنا تناوله من الجزء السابع الذي دار حول (الخطاب الديني: الحدود والتناقضات)، ثم دار الجزء الثامن حول (الغرب، بين المقول العلماني والكتابة السلفية ) ، وسيدور هذا الجزء التاسع حول (السياسة، في حدود العلاقة والتناقضات الممكنة)
السياسة ، في حدود العلاقة والتناقضات الممكنة:
إذا كان الموقف من الدين تحدّده المرجعيات النظرية بإعطائه نفساً من التأويل والاجتهاد يوازي حركة التاريخ والتطور، فإن المواقف من السياسة تأخذ همّها اليومي، داخل طرق من التفكير، وصيغ من السلوك.
تركزت الدولة بجميع هياكلها، وسادت أكبر مساحات الإقليم، فتحولت إلى هوية، وأداة لصناعة التاريخ. فقد تراجعت التكوينات الاجتماعية القديمة، إذ خفّت قيم البداوة، وفقد أعيان القبائل والعشائر نفوذهم السابق، حتى شكّلت وظائف جديدة، ومناطق للحضر يتّسع مجال العمل السياسي بداخلها.
1 - تحول الفكر السلفي من فضائه السابق إلى فضاء يمتزج فيها الانسان بالأرض والتاريخ
أمام هذه التحوّلات التي أصابت المجتمع وأنظمته المعرفية، ينتقل الفكر السلفي من فضائه السابق كعلاقة تربط الانسان بالخالق إلى أخرى يمتزج فيها الانسان بالأرض والتاريخ.
تجتهد السلفية الوطنية عند تناولها لقضية السياسة الابتعاد عن القول بكونها فكرة دينية خالصة، وتميل إلى اعتبارها تفاعل بين الإسلام وقطعة من الأرض والتراث، وهي علاقة تجمع ما بين المقدّس والمادي.
لذلك عندما اهتم الثعالبي في متن كتابه "تونس الشهيدة" بمؤسسات الدولة، وهياكلها الوطنية، فإن ذلك الاهتمام لا يخرج عن فكرة القبول والرفض، فقد تعدّت الدولة بحضورها المكثّف وحقل دلالاتها مستويات الآخر، لتكون قطعة من الذات والهوية، ولم يعد الخروج عن مؤسساتها عملاً قادراً على الإمكان أوالتحقق.
فقد هيمن السياسي، على مدارك الحركات الاجتماعية، والنشاط الإنساني، ليجعل من التجربة التاريخية، تجربة سياسية في جوهرها وأصلها الأول، يقول عبد العزيز الثعالبي «إن القانون الاسلامي العام يقتضي تشريك الشعب في وضع القانون وهو يفرض على الماسك بزمام الحكم المنتخب من طرف الشعب استشارة ممثليه في القانون والاهتداء بآرائهم»(1).
يكون الإسلام هنا إطاراً توجيهياً، أما حركة التاريخ والمجتمع، فإنها تفترض تشريعات تلاحق التغيرات اليومية الحاصلة.
وبقدر ما افتتن الاصلاحيون الأوائل بإقامة جهاز سياسي عادل يكون بعيداً عن الاستبداد والظلم، وبحجم ما أثاره الفكر التحديثي من خوف وفزع متأتّيان عن آلة السلطة وتعسّفها، فإن المأثور السياسي المفهومي والمؤسسي كان في أتم العجز عن تمثل تجربة الغرب ومدنيته المتحضِّرة.
جاء لبورقيبة قوله «إن أصعب ما في أمرنا هو بعث دولة تونسية تتمتع بسيادتها»(2)، تُفهم الصعوبة على أساس غياب عنصر النظام، فالإرث الاسلامي لا تتأتى اليه الفوضى من التقليد، كما يروّج لذلك السلفي، وإنما من داخل التجربة الإسلامية نفسها، ذلك أن حالة الاحتدام والخلاف التي كثيراً ما امتزجت بالصراع المرير والدامي على السلطة، تعود أصوله الأولى إلى مسألة السياسة والحكم، فالنبي العربي لم يترك قبل رحيله ما يرشد الصحابة، ولا المجتمع المسلم لمن هو أحق بالخلافة من بعده، يرى الدكتور محمد عمارة بأن «موضوع أصول الحكم وفلسفته ونظرية الإمامة، قد كان، ولا يزال، أخطر قضايا الفكر الإسلامي، بل وأشد هذه القضايا تعقيداً عندما توضع في الممارسة والتطبيق، وناهيك بقضية كانت أولى القضايا التي اختلف عليها المسلمون يوم لحق نبيّهم بالرفيق الأعلى.. ومارسوا حولها الجدل ولجأوا فيها إلى الاجتهاد، واحتدم بينهم بسببها الصراع حتى قبل أن يواروا رسولهم قبره الشريف! ثم إن ما استقروا عليه يومئذ من تنصيب أبي بكر الصديق خليفة عليهم لم يكن خاتمة لجدلهم حولها وصراعهم الذي شبّ بسببها، بل ظلت بؤرة النزاع والصراع منذ ذلك التاريخ وعلى امتداد هذا التاريخ»(3).
2 - كانت "الدستورية" مركز اهتمام الفكر السياسي، تشدّ السلفي والعلماني
يمسك الفكر العلماني بتلك العناصر المحرِّكة للسياسة، إذ تعجز الرابطة الدينية لديه عن خلق الوعي وتأطيره، أو أن تتحوّل إلى أرضية قابلة للعمل السياسي.
وإذا كان التخلّف والانحطاط نتاجاً لفكرة الاستبداد والتسلّط، فإن الاستبداد نفسه يعود إلى غياب مؤسسات قانونية، وهياكل دستورية، تحدّد أشكال المعاملات وعلاقة السلطان بالرعية، يقول بورقيبة: «إن الديمقراطية باعتبارها حكم الشعب من طرف الشعب وبواسطة نواب الشعب، لم تأت من العرب ولا كانت في الإسلام... كان الخليفة يستشير، ولا يعمل أحياناً بنصيحة مستشاره، على مواضيع الحكم، وأصوله وشرعيته، لم يقع البحث فيها سواء في كتب التاريخ أو في العلوم الإسلامية، أو في الأدب، رغم أن قادة الفكر في الحضارة الإسلامية كانوا يدرسون كل العلوم، من حساب وجبر وهندسة وفلسفة، وتقريب بين فلسفة "ارستو" والدين الإسلامي مثلما حاول "الكندي" و"الفارابي" و"الغزالي"، ولكن علوم الاجتماع وكيفية إدارة المجتمعات وشرعية الحكم وطريقة حكم شخص في مجموعة من البشر وفرض إرادته عليها لمصلحة هذه المجموعة، لم يقع النظر والبحث فيها حتى ابن خلدون العالم الاجتماعي المعروف لم يطرق هذه المواضيع رغم أنه ابتدع علم التاريخ الاجتماعي وبناه على أسس موضوعية مبنية على الواقع والبيئة»(4).
لذلك كانت "الدستورية" مركز اهتمام الفكر السياسي، تشدّ السلفي والعلماني على حدّ سواء، فارتبطت تجربة الثعالبي السياسية بإنشاء الحزب الحر الدستوري سنة 1920، وقامت على أنقاضها أو بموازاة منها تجربة الحزب الدستوري الجديد.
3 - "الدستورية" بين مرجعيتين
يتفق بورقيبة مع أولويات الدستور، وحاجة وجوده ضمن مساحة العمل السياسي، غير أن مصطلح "الدستور" لا يتخذ حجم الاستيعاب ذاته ولا وحدة الفهم، يتناوله العلماني من داخل قراءة غربية تخرجه عن الموروث السياسي الإسلامي، وتربطه بالوطن، بينما تتعّلق القراءة السلفية، وتتفق في مرحلة أولى حول فكرة ارتباط الدستور بالزمان والمكان، على أن يكون ذلك ضمن وحدة الدستور الأشمل وهو القرآن.
فالدستور لا يمتلك أهميته الخاصة، وشرعية استمراره إلا بمدى ارتباطه بالقرآن كدستور للمسلمين. كانت تلك مرحلة متأخرة من اهتمامات الثعالبي، وثيقة الصلة بمساحات إسلامية واسعة تمتدّ من مجتمع "المنبوذين في الهند" إلى مسائل "الهلال الخصيب"، إلى حركة التجديد والبحث الإصلاحي عن اليقظة العربية.
إلا أن المنظومة المعرفية لفكر الثعالبي سوف تكون شاهدة على حدّة التناقض، واهتزاز البناء النظري، فالمؤسسة التي احتلت كتاباً خاصاً "تونس الشهيدة" يطالب بإقامة القوانين، وإصلاح النظام القضائي، وتركيز أجهزة إدارية أكثر حداثة، لم تكن في حقيقتها غير مؤسسات سياسية تحمل فكرة المنفعة المتدفقة من رحم الفكر الليبرالي كانت دولة التنظيمات قد ثبّتتها بفوارق من الاختلاف والتمايز.
ومن خلال اهتمامه بالمؤسسة السياسية، وقراءة واقع المجتمع بداخلها، يركز الثعالبي مفهوم الدولة، ويضفي عليها قيمة المعنى والوجود، ولكن دون إدراك بأبعاد تلك العملية التاريخية التي استمرت منذ الرومان إلى مرحلة بورقيبة «لقد بقيت تونس قروناً عديدة خاضعة لسيطرة الرومان وتوالى عليها الاحتلال من قبل البيزنطيين والوندال، بيد أن هذين العنصرين لم يتركا في البلاد أثراً يذكر، أما الاحتلال الروماني الذي دام عدّة قرون فقد لقي بادئ الأمر مقاومة عنيفة من قبل الشعب حفاظاً على استقلاله وصوناً لشخصيته لكنه انهزم في النهاية، وكانت الخديعة التي مني بها جوغرطا خاتمة هزائم أبناء البلاد في صراعهم مع الرومان»(5).
4 - الديني يتحوّل عند بورقيبة إلى أداة للتوظيف وعنصر من بين عديد العناصر
يحكم السياسي علاقات الفرد والمجتمع، ومختلف الفضاءات الأخرى بما فيها الدين، فالمنظومة العلمانية لا تستمد فرضياتها من الإسلام، في مقابل الوطن وخصوصية التاريخ والشخصية، بل إن الديني يتحوّل عند بورقيبة إلى أداة للتوظيف وعنصر من بين عديد العناصر، وحضارة داخل مجموع من الحضارات المتدافعة، لم يكن الدين إلا هامشياً، يشتغل بوحي من السياسي، فقد جاء في كتاب "الحبيب بورقيبة يؤسس الدولة الجديدة" لمحمد الصياح: «توجد في قصر قرطاج أربعة تماثيل تمثّل حنبعل، ويوغرطة، والقدّيس اغسطونيوس، وابن خلدون، وفي إحدى أروقة القصر نفسه صُفِّفت بإذن كذلك من مؤسس الجمهورية التونسية رسم يرمز إلى تواصل الدولة وتمثّل جميع ملوك الدولة الحسينية الذين تعاقبوا على العرش بالإيالة التونسية ابتداء من حسين بن علي (1705) إلى محمد الأمين باي (1943)»(6). وقد تشير الرموز الأولى إلى اختزال صور ومراحل الوعي الوطني، ومدى تعلّق الإحساس البورقيبي بمفهوم الوطن/الأمة على حساب فكرة الإسلامية وتاريخها، أما ما يرمز إليه تعاقب الملوك الحسينيين فإن ذلك يؤكِّد كيان الدولة التونسية، واستمرار أنظمتها السياسية والقانونية منذ اعتلاء الأسرة الحسينية مراكز السلطة داخل الإيالة.
فالدولة ليست مجرّد ضمّ جاف، لا تمتلك غير جذورها الميّتة، ولا هي أداة طيّعة، سهلة التشكّل أمام حركات الغزو والفتوحات، بقدر ما هي كيان شديد الامتلاء بالتاريخ والخصوصية، يمثّل تعاقب كل الهوامش بما فيها الدين.
5 - السياسة عند العلماني لها فاعلية الدين التنظيمية وهيكلاً للاندماج الوطني وطريقة للصهر
في خضم الفوضى الاجتماعية التي تسود المجتمع الإسلامي، تتّخذ السياسة عند العلماني فاعلية الدين التنظيمية وتتجاوزه لتكون هيكلاً للاندماج الوطني، وطريقة تصهر تكوينات غير متجانسة، يقول مصطفى كامل: «إن الوطنية هي أشرف الروابط للأفراد والأساس المتين الذي تبنى عليه الدولة القوية، وكل ما ترونه في أوروبا من آثار العمران والمدنيّة ما هو إلا ثمار الوطنية»(7).
سوف تعمل المركزة في مراحل تاريخية لاحقة على تجسيد هذا الاندماج، ليستمر مع إخضاع كافة الأقاليم لمركزية السلطة، وإلغاء بعض الوظائف التقليدية من الإدارة، القضاء، والتعليم لما شكّله من بقايا للانقسام الاجتماعي ومظاهر الشرعية القديمة، قد تهدّد وحدة الوطن. فقد توحّد القضاء، وألغيت أدوار القيادات الترابية، وقامت الولايات/المحافظات طبقاً للتقسيمات الإدارية الحديثة، شكِّلت علاقة جديدة بين المرأة والرجل، وتحوّل رجل الإفتاء والدين إلى مجرد موظّف في خدمة السياسي والدولة.
هذا التوجه السياسي للدولة استحال الاطمئنان اليه أو لنتائجه، فهو يلغي في مرحلة مبكِّرة مجموع الوظائف والتكوينات التقليدية التي شكّلت منابت اجتماعية وطبيعية للسلفية، وهو في مرحلة ثانية يعدم فكرة العالمية الإسلامية لصالح مبدأ الهوية والوطنية.
6 - يأخذ الوطن صفة المرجعية الثابتة
فالسلفي يحاور الفعل السياسي من موقع النضال الوطني الضيق غير أنه ياخذه باتجاه بعث العالم الاسلامي القديم المتمرّد عن كل تحديد زماني معيّن.
شكّلت الحركات التحررية، والعمل السياسي المنظم للأحزاب والجمعيات الوطنية في أعقاب مرحلة الاستيلاء الأوروبية، فكان الحزب الحر الدستوري الذي أسسه الثعالبي (1920) واحداً من هذه الحركات المطلبية التي ارتبطت بفكرة الدستور، وموجة اللوائح والعرائض الوطنية، مما يوحي بأن هذه التكوينات الحزبية كانت الرحم الحاضن الذي تخلّقت بداخله ارهاصات الوطنية، وتركزت ضمنه تلك الخصوصيات المحلية. إضافة إلى أن العمل السياسي الموحّد والنضالات المشتركة يخلقان دوماً حالة من الشعور الواحد، ويصنعان تاريخاً محلياً يكون النواة الأولى للوطنية.
تتراجع معادلات النهضة لتبزغ الفكرة الوطنية داخل ثنائية: الوطن/الغرب.
يأخذ الوطن صفة المرجعية الثابتة، تكون تونس هي المركز ومن حولها أطراف العالم الإسلامي. لم يعد المركز يعني اسطمبول كدار "للخلافة" أو موقع للقرار السياسي، ولا حتى مكة والمدينة كإحساس رقيق ومرهف بالمقدّس والمطلق.
وإنما هي الجغرافية التونسية كرقعة أرض ومجموع شعب، وحالة تاريخ ومصير، جاء في حديث الثعالبي «والشعب التونسي الذي قضى عليه مصيره بأن يكون ضحية للأطماع الاستعمارية نتيجة لموقع بلده الجغرافي الذي هو ملتقى حقيقي للطرق بالبحر الأبيض المتوسط استطاع بفضل حيويته أن يتغلب على تلك الغزوات التي أراد أن لا تدوم إلا فترة زمنية معينة، فاستوعب العناصر التي لها صلة متينة به وحافظ بشدة على أهم خاصياته المميّزة والثابتة، ذلك أن الشعب لا يأخذ عن الذين استولوا عليه مدّة من الزمن إلا الصفات التي تتماشى مع طبيعته الذاتية، فأخذ عن القرطاجيين النشاط البحري، وعن الرومانيين النشاط الزراعي والري والميل للمدن، وعن البيزنطيين البذاخة والإنفاق، وعن العرب الديانة والإحساس الرهيف بالعدل والإخاء والمساواة والديمقراطية، والعلوم والآداب والفنون، وعن الأتراك التنظيم والسياسي والإداري والتضامن الاجتماعي بالإسعاف والإحسان عن طريق المؤسسات الدينية»(8).
تتضح آليات التفكير وأساسيات المعرفة عند عبد العزيز الثعالبي، فقد تحوّل الوطن إلى بوتقة لصهر التاريخ وحفظ استمراريته.
7 - وظِّف بورقيبة معنى الدستور في بناء مشروعه الوطني
في حدود هذه القراءة تبرز لقاءات التصور المنهجي والفكري مع بورقيبة، الذي يرى في إقامة دستور للبلاد حالة وعي في تاريخ الوطن الطويل، الممتد من حنبعل إلى مرحلة الاستقلال، والمتفاعل مع جميع الحضارات «قيل إن هذا أول دستور سُنَّ في البلاد التونسية سبقه قيام دساتير في هذا الجزء من الشمال الإفريقي، فالدولة القرطاجنية كان لها دستور شهد المؤرخون القدماء والمتأخرون أنه من الدساتير المضبوطة القائمة على تشريك الشعب في تسيير دواليب الحكم»(9).
يوظِّف بورقيبة معنى الدستور في بناء مشروعه الوطني، ليجعل من الدستور فكرة للخصوصية، تنظم علاقة الجهاز السياسي بالرعية، وتضبط علاقة الأفراد فيما بينهم، يقول بورقيبة «لقد استطعت بعد أربعين أو خمسة وأربعين عاماً توحيد صفوف الشعب وجعله يفكِّر تفكيراً واحداً وألّفت بين القبائل، وبين القرى والمدن، بين حامل العمامة وحامل الطربوش عارى الرأس وبين الضاربين في الصحاري وعروش الشمال والجنوب والوسط، وخلقت منهم لأول مرة منذ آلاف السنين وحدة صمّاء»(10). على أن نأخذ مفهوم الوحدة هنا بدلالاتها السياسية والمعادلة للأمة التونسية، التي تجسِّد الشخصية الوطنية، في حين يمثل الدستور التأشيرة القانونية لها، أما رئيس الدولة فهو المرجع الأعلى للسلطة فيه تتوحّد إرادة الحزب والحكومة، يقول بورقيبة «إننا إذا شئنا أن نعتبر وجود تفرقة بين الحزب والحكومة، في مستوى القاعدة أي في مستوى الولايات واعتبرنا الوزارة هرماً لتلك القاعدة، وجب أن تزداد التفرقة بروزاً كلما ازددنا صعوداً في سلّم المسؤوليات وشيئاً فشيئاً نجد أنفسنا لتقسيم الرئيس إلى اثنين: نصفه لرئاسة الحزب ونصفه الآخر لرئاسة الدولة.. لا لزوم لهذه التفرقة في كل الأحوال وفي كل الظروف، خاصة وأن نظامنا الرئاسي يفرض أن يكون رئيس الدولة هو نفسه رئيس الحزب وأن يكون هو المرجع في كل شيء»(11).
8 - انتزاع السلفي موروثه وثقافته من بُعده التاريخي-الاجتماعي وإسقاطه في قوالب معرفية جاهزة
رغم اهتمام الثعالبي بفكرة الدستور تظل علاقته تتراوح بين المفهوم السياسي الذي يستبعد التكوينات الدينية، وبين اتجاهات فقهية متينة الاتصال بمرادفات النصوص، والشريعة، إذ يقول: «ألا نظن أنفسنا ونحن نقرأ تلك الآية الكريمة "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير". كأننا نطالع الفصل السادس من الإعلان عن حقوق الإنسان وقد جاء فيه ما يلي: "جميع المواطنين متساوون في نظر القانون ومؤهلون على حد سواء لجميع المراتب والمناصب والوظائف العمومية على أساس كفاءتهم وبدون أي تمييز"»(12).
يقرأ السلفي المفهوم السياسي من خلال موروثه الفقهي، وثقافته التقليدية، فينتزعه من بُعده التاريخي-الاجتماعي حتى يسقطه في قوالب معرفية جاهزة، لم تتمكّن من ملامسة المفهوم واستيعابه كنتاج لتغيرات عميقة، وحركات معقدة عاشها الفكر الغربي كما عرفتها جغرافيته الخاصة.
9 - يقع العلماني في "خطأ اللاتاريخية" حين يشيد المفهوم خارج تربته الثقافية والمعرفية
وإن كان العلماني ينظر إلى المفهوم ذاته بعيون أوروبية، من خلال أدواته للمعرفة والتحليل غريبة الأصل والتكوين فإنه يقع هو الآخر في "خطأ اللاتاريخية" حين يشيد المفهوم خارج تربته الثقافية والمعرفية، ليضع حاضر المجتمعات العربية الإسلامية بين مطتي الجملة الاعتراضية لينوب عنه الحاضر الغربي. ولا تنجو من ذلك إلا الدولة كحاضنة للهوية والذات، ورمز لسيادة القرار الوطني.
---------------------
فهرس:
1. الثعالبي، عبدالعزيز: تونس الشهيدة، مرجع سابق، ص17 .
2. بورقيبة، الحبيب: تصريحات وأحاديث صحفية، مرجع سابق، ص73.
3. عمارة، محمد: الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية، دار الهلال، القاهرة، ط 1، 1983، ص7-9.
4. بورقيبة، الحبيب: خطاب باردو، 27 مارس 1973، الجزء 23، نشريات وزارة الإعلام، تونس 1982، ص40.
5. بورقيبة، الحبيب: خطب، الجزء 30، نشريات وزارة الإعلام، تونس 1982، ص152.
6. الصياح، محمد: "الحبيب بورقيبة يؤسس الدولة الجديدة"، ص32.
7. بنسعيد، سعيد: المفاهيم السياسية في التداول العربي المعاصر، المستقبل العربي، عدد 92، 10/1986.
8. الثعالبي، عبد العزيز: تونس الشهيدة، ص283-284.
9. بورقيبة، الحبيب: خطب، الجزء 8، ص307.
10. بورقيبة، الحبيب: خطب، الجزء26، ص81.
11. بورقيبة، الحبيب: خطب، الجزء26، ص18-19.
12. الثعالبي، عبد العزيز: روح التحرر في القرآن، ص92.