في غياب واشنطن حيرة عند بعض الحكام وفرح في الشارع العربي
في غياب واشنطن حيرة عند بعض الحكام وفرح في الشارع العربي
السبيل أونلاين - آراء وتحليلات
احتلال العراق؛ حرب في أغانستان؛ حصار على غزة؛ ضغوط سياسية على كل الدول العربية؛تهديد بضرب ايران؛ كواث طبيعية مستمرة ؛ تسونامي مالي عالمي مفبرك من واشنطن؛ الخ....
لما ينتقم الله عزى و جل لاخواننا في غزة! اللهم أرينا يوما أسودا في أمريكا آمييين.............................................
بينما يقترب عام 2008 من نهايته، يمكن لمتابع أحوال منطقة الشرق الأوسط وتطوراتها أن يلحظ بوضوح موجة انفراجات وإشارات تهدئة غلبت على تفاعلات معظم ملفات وقضايا المنطقة.
في العراق، تراجعت وتيرة العنف وانخفضت أعداد ضحاياه، وتقلصت نسبيا المسافات الفاصلة بين مواقف القوى السياسية العراقية، خصوصا فيما يتعلق باستمرار واستقرار حكومة المالكي. لكن الإشارات الإيجابية، الأكثر وضوحا ودلالة في الملف العراقي، هي تلك المتصلة بالبيئة الخارجية، وتحديدا المحيط الإقليمي. فقد حظي العراق بما يمكن اعتباره انفتاحا دبلوماسيا عربيا، فهناك دول عربية قررت بالفعل إرسال سفراء إلى العراق، بينما تدرس دول أخرى بجدية الإقدام على تلك الخطوة.
في لبنان، بدأ صيف بيروت ملتهبا بأزمة مايو التي كادت تتحول إلى انقلاب عسكري من جانب حزب الله على حكومة السنيورة، قبل أن ينزل اتفاق الدوحة بردا وسلاما، فينزع فتيل الأزمة ويؤدى إلى انتخاب رئيس جديد بعد عام ونصف عام من خلو قصر بعبدا. وفي السياق اللبناني أيضا، شهدت العلاقة بين سوريا ولبنان منعطفا تاريخيا، عندما أعلن الرئيس السوري بشار الأسد قبول دمشق إقامة تمثيل دبلوماسي وتبادل السفارات مع لبنان، لتصبح العلاقات السورية - اللبنانية على أعتاب مرحلة جديدة، تختلف كثيرا في طابعها وطبيعتها عما استقرت عليه لأكثر من ثلاثة عقود.
ولم يكن التغير الجذري في موقف دمشق من لبنان هو التحول الوحيد في السياسة السورية، فقد امتازت مواقف دمشق وتحركاتها الدبلوماسية -والإعلامية أيضا- بديناميكية وبراجماتية قلما اجتمعتا معا في الحركة الخارجية السورية. فبالتوازي مع المساهمة الإيجابية لدمشق في الموقف المحتقن في لبنان والتوصل إلى اتفاق الدوحة، جاء الكشف عن وجود مفاوضات سورية - إسرائيلية غير مباشرة عبر طرف ثالث هو تركيا. ثم استثمرت دمشق الرغبة الفرنسية في تنشيط دورها الدبلوماسي وتعميق نفوذها السياسي بالمنطقة، فجذبت باريس إلى موقع الراعي البديل للمفاوضات.
ولم تبتعد تطورات الملف النووي الإيراني كثيرا عن السياقات السابقة. فبعد التصعيد المتبادل والتشدد في المواقف الإيرانية والأميركية خلال العامين الماضيين، لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يتشاوران حول مضمون وأسلوب التعامل مع إيران. أي بدلا من تعليق عمليات إثراء اليورانيوم، تم تعليق الأزمة برمتها، ودخلت أطرافها في حالة انتظار أو ربما هدنة إلى حين.
فضلا عن هذه التطورات، هناك مستجدات أخرى ربما تكون أقل بروزا، مثل: التصالح الأميركي - الليبي، وغموض موقف المحكمة الجنائية الدولية من توصية المدعى العام بالقبض على الرئيس السوداني، واستئناف جولات الحوار بين الفصائل الفلسطينية. وبذا، تتكامل الصورة العامة للمشهد الإقليمي، فتبدو ملامحها مدعاة للتفاؤل، موحية بأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التسويات والتهدئة، وأن الانفراجات الحاصلة فيها ليست سوى مقدمة لتغييرات جذرية باتجاه استقرار المنطقة واستتباب السلام والأمن فيها.
ولا شك في أن هذا بالفعل هو الظاهر من التطورات الجارية. بيد أن الجزم باقتراب المنطقة من عهد سلام واستقرار أمر أعقد وأصعب كثيرا من أن يؤخذ بظاهر الأحداث، خاصة أنه نادرا ما تمتعت تلك المنطقة المركزية في العالم بالاستقرار والأمان، مما يدعو المراقب إلى توخي الحذر، بل والتشكك في تلك الانفراجات التي تشهدها المنطقة.
وأول ما يلفت النظر في أحوال الشرق الأوسط الراهنة أن التطورات الجارية والإشارات الإيجابية، التي حملتها، تمت بشكل متزامن خلال بضعة أشهر، وهى فترة زمنية قصيرة للغاية مقارنة بسنوات طويلة زادت خلالها تلك الملفات والمشكلات تعقيدا على تعقيد. فمسار السلام السوري - الإسرائيلي متوقف منذ سنوات، والملف اللبناني متشابك وتزداد الفجوة بين أطرافه يوما بعد يوم، منذ بدأت الحرب الأهلية منتصف السبعينيات. والعلاقات اللبنانية - السورية بدورها تراكمت أبعادها لمدة ثلاثة عقود، حتى كاد الارتباط اللبناني بدمشق يصبح مسلمة، التفكير فيها أو النقاش حولها غير وارد، بل ربما من المحرمات. وينطبق الوضع ذاته على بقية الملفات الإقليمية، فكلها معضلات أو نزاعات قائمة مستمرة لسنوات طويلة.
الملمح الثاني الداعي للتأمل فيما يجري أن موجة الانفراجات وعلامات التهدئة لم تمتد بعد إلى جوهر المشكلات والخلافات القائمة بين أطراف كل ملف. فبالنظر إلى ما تم حتى الآن من التفاعلات الإيجابية بين سوريا وإسرائيل، وفي لبنان، وبين الفلسطينيين وبعضهم بعضا، وفي بقية الملفات ومشكلات المنطقة، يمكن إدراجها كلها معا تحت عنوان واحد هو إظهار حسن النوايا، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى إثبات تلك النوايا الطيبة.
والحاصل أن كلا من ملفات وقضايا المنطقة حافل بتعقيدات وعقد مستحكمة. ففي ثنايا كل تطور إيجابي شهدته المنطقة مؤخرا، توجد ألغام قابلة للانفجار -أو التفجير- في حين استندت مؤشرات التهدئة الجارية إلى مقاربة المشكلات إجمالا وفي العموميات، مما يجعل الاطمئنان والركون إلى الظاهر من تطورات ومواقف إيجابية نوعا من الغفلة السياسية، وأقرب إلى التمنيات والأحلام منها إلى الحقائق.
ومما يجعل الأمر جديرا بمزيد من التفكر والمراجعة أن أيا من تلك الملفات والمشكلات لم يشهد حلا كاملا أو تسوية نهائية تغلقه وتخرج به من قائمة الصراعات والنزاعات في المنطقة. فبينما تسود كافة الملفات والقضايا موجة من التفاؤل والارتياح، لم تتطور أي من تلك الإشارات لتفرز حلا أو تسوية نهائية، ووقفت الأطراف المعنية عند حدود المرونة المبدئية والاستعداد الإيجابي لبحث كل الأفكار، إلى غير ذلك من معان ومواقف ذات تأثير معنوي ونفسي أكثر مما تحمل مضمونا عمليا أو قرارا قابلا للتطبيق.
ولو أن ملفا واحدا شهد تلك الخطوة، لربما أمكن اعتبار الانفراجات والانفتاحات الجارية في بقية الملفات تمهيدا لنقلات مهمة، وربما تاريخية، في حياة الشرق الأوسط. وهو ما كان يمكن أن يحدث بالفعل، لو أن الأطراف المعنية ركزت جهدها واقتصرت في تعاطيها الإيجابي على ملف واحد، وأكملت العمل عليه مع الأطراف الأخرى، حتى يتم التوصل فيه إلى حل شامل ونهائي. إلا أن الارتباط بين ملفات وقضايا المنطقة يجعلها أشبه بالأواني المستطرقة، يصعب فصلها والتعامل مع أحدها دون البقية.
بيد أن هذا الارتباط ليس كافيا لفهم أو تفسير عدم اكتمال مسيرة التهدئة في المنطقة. فوفقا لمنطق الارتباط والتشابك بين الملفات الإقليمية، كان يمكن لملف واحد، يتم إغلاقه والتوصل إلى حل نهائي فيه، أن يصبح نموذجا يقتدي به في الحالات الأخرى، ويكون بمثابة قاطرة تجر بقية الملفات بدورها إلى حلول نهائية.
لكن الحاصل أن منطقة الشرق الأوسط حاليا في وضع انتظار، فلا هي بصدد المضي في تسويات وحلول لمشكلاتها، ولا هي ثبتت على النمط السابق المستمر منذ سنوات في إدارتها لتلك الملفات، وإنما قطعت شوطا ثم توقفت. ففي لبنان، عاد الفرقاء اللبنانيون إلى التراشق وتبادل الاتهامات. وفي العراق، عادت عمليات العنف تحصد أرواحا بريئة. وفي السودان، أصبح موقف الرئيس البشير معلقا، إذ لم يصدر قرار من المحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه، لكن لم يسحب المدعى العام توصيته للمحكمة بذلك.
وبينما قربت المفاوضات السورية - الإسرائيلية -غير المباشرة- المسافة بين الجانبين، فإن المفاوضات المباشرة لا تزال مستبعدة في انتظار تبلور الموقف الداخلي في إسرائيل، بعد تولى تسيبي ليفنى زعامة حزب كاديما، وقبل ذلك في انتظار وصول الساكن الجديد للبيت الأبيض .. وهكذا حال بقية ملفات وقضايا المنطقة.
ما حدث هو أن قضايا المنطقة شهدت كلها بالتوازي تطورات إيجابية، ثم توقفت كلها بالتوازي أيضا، وكأن ثمة شيئا لا يزال مفقودا، أو أن كلمة السر التي تفك الطلاسم غير متاحة بعد.
إن منطقة الشرق الأوسط تفتقد مظلة حمائية ترعى التهدئات وتحول التسويات الجزئية إلى حلول نهائية، فتمنح الثقة والضمانات المطلوبة لمختلف الأطراف. وما من شك في أن دول المنطقة تبحث دائما عن تلك المظلة في واشنطن، فهي كلمة السر الخفية، وهى المفتاح الذي تفتح أمامه الأبواب الموصدة.ويدل تعليق كل الملفات الإقليمية في المرحلة الحالية، التي تغيب فيها الإرادة الأميركية لاعتبارات انتخابية، على أن دول المنطقة ليست فقط في حالة ترقب وانتظار لما سيأتي به القاطن الجديد في البيت الأبيض، بل هي أيضا تتمنى، أو ربما تمنى نفسها، بأنه سيكون بالضرورة أفضل حالا وأقل ضررا من سلفه جورج بوش.
وثمة مغزى بالغ الدلالة في ذلك المشهد الإقليمي الساكن عن الحركة مؤقتا، ذلك أن التطورات الإيجابية وبوادر التهدئة والتسوية، التي تمت في المنطقة، جرت كلها في ظل تحييد العامل الأميركي أو -بالأدق- انشغاله. ورغم ذلك، فإن تلك التوجهات انحسرت ولم تكتمل انتظارا لعودة فعالية ونشاط هذا العامل ذاته!. لقد نجحت دول المنطقة (بمفردها في حالات وبمساعدة قوى عالمية في حالات أخري) في إحداث تغيير -ولو جزئي- قابل للبناء عليه وتطويره.
لقد ثبت أن الحضور الطاغي للعامل الأميركي في ملفات المنطقة لم يكن يوما في صالح دول المنطقة ولم يحل قضاياها. لذا، من المفارقات المثيرة أن تنحسر موجة الانفراجات التي بدأتها دول المنطقة بمفردها، انتظارا لعودة اللاعب الأميركي إلى موقعه الذي منحته هي إياه. إنها مفارقة جديرة بالتأمل، وحرى بالساسة والمفكرين العرب، في الفترة البسيطة المتبقية قبل تولى رئيس أميركي جديد، أن يجتهدوا في البحث عن تفسير لها.