الولايات المتحدة لن تستطيع أن تجمع بين نهج الحروب المستمرة والتفوق الاقتصادي في آن معا.
هذه هي خلاصة ذلك التقرير الجامع الذي صدر في الاسبوع الماضي عن أعلى مؤسسة استخباراتية أميركية: مجلس الاستخبارات القومي. ووجه الاثارة والخطورة العظمى في هذا التقرير هو أنه قد كتب بعين المستقبل.
فماذا تعنى أو بالأحرى ماذا ينبغي أن تعني الاستخلاصات النهائية للتقرير لدى العرب والمسلمين؟
بلهجة تأكيدية يقول واضعو التقرير ان النفوذ العالمى للولايات المتحدة دخل مرحلة عد تنازلي بمعايير القوة الاقتصادية والقوة العسكرية على حد سواء. بكلمات أخرى فإن أميركا لن تبقى خلال السنوات المقبلة القوة العظمى الوحيدة التي تنفرد بتسيير العالم وشؤونه. فالعالم بدأ يتحول إلى ساحة متعددة الأقطاب مع تنامي قوى دولية أخرى في مقدمتها الصين وروسيا - وبدرجة أقل - الهند والبرازيل.
هذا الاستخلاص ليس اكتشافا جديدا كما يبدو فقد سبق ان كتب عنه عدد من كبار الاكاديميين الأميركيين في مقدمتهم البروفسور نعوم تشومسكي أستاذ الفلسفة في «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا».
كان ذلك قبل بضع سنين. وحينئذ أسدل ستار من التعتيم الاعلامي على طروحات وتنبؤات هؤلاء الاكاديميين إلى درجة أن أبواب الشبكات التليفزيونية الأميركية الكبرى أوصدت في وجه تشومسكي وكأنه حدث اتفاق ضمني أو مقصود بين أصحاب هذه الشبكات على مقاطعة هذا الاكاديمي ذي البصيرة النافذة.
لكن هب الاعصار المالي الكاسح في سبتمبر في العام الجاري لتؤدي تداعياته المتتالية إلى تعرية الحقيقة: انهارت بورصات الأسهم لتكشف عن إفلاس كبار البنوك.
فكشف الافلاس المصرفي بدوره عن أزمة الائتمان العقاري. وهكذا انسلخت صفحة بعد صفحة لتنكشف عند نهاية المطاف الحقيقة الأساسية العظمى وهي ان الاقتصاد الوطني الأميركي غير المنتج مصاب بمرض خبيث يفضي به إلى حافة الافلاس.
في مقدمة تفاصيل هذه الحقيقة الأساسية برز الانفاق الأسطورى في سلسلة الحروب التدميرية طويلة المدى التي انتهت إلى حرب افغانستان وحرب العراق اللتين سبقتهما الحرب الكورية في الخمسينيات والحرب الفيتنامية على مدى الستينيات والسبعينيات والحرب على نيكاراغوا في الثمانينيات.
في مقدمة ثوابت السياسة الخارجية الأميركية على تعاقب الإدارات والرؤساء فرض هيمنة أميركية كاملة على العالم بأسلوب العنف الحربي. لكن للعنف الحربي ثمنا باهظا يحسب على التفوق الاقتصادي.
ولن يتوقف العد التنازلى للنفوذ الأميركي العالمي ما لم تتغير سياسة القوة الخشنة.