عالم الجنّ ..والشياطين أعاذكم الله منها - الحلقة الرابعة والأخيرة
السبيل أونلابن نت - نتحدّث في الحلقة الرّابعة والأخيرة من هذه السلسلة عن الشياطين-أعاذنا الله وإيّاكم في همزاتهم وحضورهم ووساوسهم-عن خلقهم وذرّياتهم وموتهم وعم متعلّقات أخرى تتناولها مختلف الفقرات،سائلين الله أن نكون قد وفّقنا في إيصال فكرة عن هذا العالم(عالم الجنّ والشياطين)،لافتين النّظر إلى أنّ جهدنا تمثّل فقط في...
عالم الجنّ ..والشياطين أعاذكم الله منها - الحلقة الرابعة والأخيرة
السبيل أونلاين - التحرير
نتحدّث في الحلقة الرّابعة والأخيرة من هذه السلسلة عن الشياطين - أعاذنا الله وإيّاكم من همزاتهم وحضورهم ووساوسهم -، عن خلقهم وذرّياتهم وموتهم وعن متعلّقات أخرى تتناولها مختلف الفقرات، سائلين الله أن نكون قد وفّقنا في إيصال فكرة عن هذا العالم (عالم الجنّ والشياطين)، لافتين النّظر إلى أنّ جهدنا تمثّل فقط في النقل والتهذيب والتدقيق في صحّة المنقول من القرآن والحديث وفي الإخراج وما اقتضاه ذلك من تقديم أو تأخير أو حذف أو زيادة أو إبراز ما يجب إبرازه، وكلّ ذلك من أجل أن ندعو القارئ الكريم إلى القراءة المرغّبة في النفع، وقد حاولنا اجتناب التطويل فيما سبق من الحلقات ووقعنا فيه في هذه الحلقة كرها من أجل بلوغ نهاية السلسلة التي قد يصرف تمطّطها الانتباه!...
الحلقة الرّابعة والأخيرة:
الشيطان خلق من نار:
فإن الشيطان خلق من نار لما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة من نور وخلق الجانّ من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم". وقد نص القرآن الكريم على ذلك قال تعالى: (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) [ص: 76].
قال الحسن البصري: "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجنّ، كما أنّ آدم عليه السلام أصل البشر" رواه ابن جرير بإسناد صحيح.
هل لإبليس ذرية؟
إنّ لإبليس له ذرية من صلبه ونسله على الراجح من أقوال العلماء، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال حكاها القرطبي في تفسيره.
فقد نقل عن الشعبي أنه قال: سألني رجل، فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إنّ ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي) [الكهف:50]. فعلمت أنه لا تكون ذرية إلاّ من زوجة، فقلت: نعم. وهو مقتضى قول مجاهد.
وذهب آخرون إلى أنه ليس له أولاد ولا ذرية، وأنّ ذريته أعوانه من الشياطين.
قال القشيري أبو نصر: والجملة أنّ الله تعالى أخبر أنّ لإبليس أتباعاً وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية التوالد منهم، وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح.
قال القرطبي بعد أن حكى هذه الأقوال: قلت: الذي ثبت في هذا الباب ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين... ثم ساق الإسناد إلى سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكن أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منه، فيها باض الشيطان وفرخ".
قال: وهذا يدل على أنّ للشيطان ذرية من صلبه.
وحديث: "لا تكن أول من يدخل السوق" رواه الطبراني أيضاً في الكبير.
وقت موت إبليس:
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت، فقيل: (قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ* إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ). قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة، قال: فيموت إبليس أربعين سنة. انتهى. كذا في الدر المنثور للسيوطي.
القرين... ماهيته... وسائله في الغواية... وحاله مع نبي الله:
فقد ثبت شرعاً أنّ لكل إنسان قريناً من الشياطين، قال سبحانه: (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) [ق: 27]، وقد ذكر القرطبي أنّ القرين في الآية هو: الشيطان، وحكى المهدوي: عدم الخلاف في هذا.
وأخرج أحمد ومسلم عَن عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ وَقَدْ وُكّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنّ". قَالُوا: وَإِيّاكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: "وَإِيّايَ. إِلاّ أَنّ اللّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ. فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاّ بِخَيْرٍ".
وأخرج مسلم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها: "أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً. قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ. فَجَاءَ فَرَأَىَ مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: "مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟" فَقُلْتُ: وَمَا لِي لاَ يَغَارُ مِثْلِي عَلَىَ مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟! قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: وَمَعَ كُلّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ. وَلَكِنّ رَبّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتّىَ أَسْلَمَ".
والمقصود بالقرين شيطان يقترن بابن آدم، ويسعى جاهداً ليُضله عن سواء السبيل، ولا يمكن للمسلم أن يسيطر على قرينه ويدخله في الإسلام، لأنّ الله سبحانه جعل ذلك ابتلاءً للعبد، ليعلم المؤمن من غيره، وقرين النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يؤمن ويصبح مسلماً على الراجح من أقوال أهل العلم، وإنما استسلم له وانقاد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأسلم" روي برفع الميم وفتحها، فعلى الرفع فهو فعل مضارع، ويكون المعنى: أسلمُ من شره وفتنته، وعلى الفتح، فهو فعلٍ ماض ويحتمل معنيين:
الأول: أنه أسلم ودخل في الإسلام، وهذا مدفوع كما سيأتي.
الثاني: أنّ أسلم هنا بمعنى: استسلم وانقاد. وقد جاءت الرواية كهذا في غير صحيح مسلم، كما قال النووي في شرحه.
وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية عدم إسلام قرين النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: أي استسلم وانقاد، وكان ابن عيينه يرويه فأسلم بالضم، ويقول: إنّ الشيطان لا يُسلم، لكن قوله في الرواية الأخرى: فلا يأمرني إلاّ بخير، دلّ على أنّه لم يبق يأمره بالشر، وهذا إسلامه، وإن كان ذلك كناية عن خضوعه وذلته لا عن إيمانه بالله، كما يقهر الرجل عدوه الظاهر ويأسره، وقد عرف العدو المقهور أنّ ذلك القاهر يعرف ما يشير به عليه من الشر فلا يقبله، بل يعاقبه على ذلك، فيحتاج إلى أنه لا يشير عليه إلاّ بخير لذلته وعجزه لا لصلاحه ودينه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إلاّ أن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلاّ بخير" انتهى.
وعلى كلٍ، فعلى المسلم مدافعة هذا الشيطان، وهذا هو المطلوب منه شرعاً، وهو أمر مقدور عليه، وهذا القرين تارة يوسوس بالشر، ولذا جاء الأمر بالاستعاذة من شرّ وسوسته في سورة الناس: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [الناس: 4-6 ] .
وتارة يُنسي الخير، قال سبحانه: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) [يوسف: 42] .
وتارة يعدُ ويُمَنِّي، قال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً) [النساء: 120] .
وتارة يقذف في القلب الوسوسة المرعبة، قال سبحانه: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 175] .
فكيده محصور في ما ذكرنا. فاستعن بالله على مدافعته، والانتصار عليه...
صراع الإنسان مع الشيطان:
فعلاقة الإنسان مع الشيطان علاقة صراع وتحدٍ من قديم الزمان، وقد بدأت عندما دُعي الشيطان للسجود لأبينا آدم عليه السلام فأبى واستكبر كما حكى ذلك القرآن، قال تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس أبى) [طه: 116]، وكما هو معلوم فقد توعّد الشيطان بني آدم وأقسم بعزة الله ليغوينهم: (قال فبعزّتك لأغوينهم أجمعين * إلاّ عبادك منهم المخلصين) [ص: 82ـ 83]. وإغواؤه مستمر لبني آدم إلى يوم القيامة، لكن ليس له سلطان على المؤمنين المتقين، قال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون* إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) [النحل 99 - 100] وقد أخبر الله أن كيد الشيطان ضعيف رغم ما أوتي من سبل الإغواء: (فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً) [النساء: 76]. والمسلم إذا التزم بمنهج الله حقاً ابتعد عنه الشيطان، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر: "ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلاّ سلك فجاً آخر يا عمر" رواه البخاري ومسلم. وما ذلك إلاّ لقوة عمر في الحق وصدقه في اتباع المنهج الرباني، والواجب على المسلم الحذر من الشيطان قال تعالى: (إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوًّاً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) [فاطر: 6]، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) [النور: 21].
ومن هنا فاعتصام المسلم بالكتاب والسنة، وطاعته لله ورسوله، هو السبيل الوحيد للنجاة من الوقوع في الزيغ والضلال ومن سبل الشيطان، فعليك أخي المسلم بتعلم العلم النافع، وتلاوة القرآن، ومجالسة العلماء والصالحين والإكثار من ذكر الله، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم وغير ذلك، إذا فعلت ذلك لم يكن للشيطان عليك سبيل... والشيطان نفسه هو الذي أرشد أبا هريرة كما في صحيح البخاري إلى قراءة آية الكرسي حيث قال لأبي هريرة: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: "صدقك وهو كذوب".
والإنسان مستقل وحر، وقد وهبه الله الحواس ليدرك بها ويعقل ويميز الخبيث من الطيب، وأرشده إلى الخير، وحذره من الشر: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) [الإنسان: 3]. والشيطان عدوٌ متربص وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق، فقد روى البخاري ومسلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" لكن إذا سمع الشيطان ذكر الله خنس أي: تأخر وابتعد. وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء" رواه مسلم، وقال أيضاً: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر الله تعالى خنس، وإن نسي الله التقم قلبه" أخرجه أبو يعلى في مسنده، والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس رضي الله عنه... فعلى المسلم الاعتصام بذكر الله ليحصنه من الشيطان ووساوسه.
الحكمة من رمي الجمار:
رمي الجمار من واجبات الحج... والحكمة من فعله:
1 - الاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم واتباع أمره، فقد رمى الجمرات وقال: خذوا عني مناسككم. رواه مسلم.
2 - التذكر لما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام، وذلك أنه لما أمره الله بذبح ولده وسعى لتنفيذ ذلك اعترضه الشيطان ووسوس له بأن لا يذبح ولده فرماه بسبع حصيات، ثم انطلق فاعترضه أخرى فرماه بسبع، ثم انطلق فاعترضه ثالثه فرماه وأضجع ولده على جبينه وأجرى السكين على عنقه فلم تقطع، وناداه الله بقوله: (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا). أي امتثلت ما أمرك الله به وعصيت الشيطان.
3 - الترغيم للشيطان والإغاظة له، فإنه يغتاظ حينما يرى الناس يرجمون المكان الذي اعترض فيه خليل الله إبراهيم عليه السلام، فهذا المشهد عبادة وشعيرة من أعظم شعائر الإسلام، وليس عملا مسرحيا كما يقال!...
من سبل التحصن من الشيطان:
فما يعترض الإنسان من أحلام ووساوس وحالات نفسية أخرى لا ينبني عليها شيء وليس لها تفسير في الشرع، وما يحصل للبعض من تخيل أشياء مخيفة في اليقضة وعند النوم قد تكون له أسباب نفسية ترتبط بظروفها الاجتماعية والصحية، وقد يكون من أفعال شياطين الجنّ، وقد يكون له تفسير آخر، وعلى أية حال، فإنّ المحافظة على الأوامر الشرعية والأذكار المشروعة، التي تقال في الصباح وفي المساء وعند دخول البيت وعند الخروج منه وعند إرادة دخول الخلاء تعتبر حصناً منيعاً للإنسان.
كما أنّ ذكر الله تعالى على وجه العموم يعتبر أعظم حصن من عالم الجنّ والشياطين ففي حديث جابر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإنّ الشيطان لا يفتح بابا مغلقاً. رواه البخاري.
فنوصي - إذاً- بالإكثار من ذكر الله في البيت وتلاوة القرآن، وعلى وجه الخصوص سورة البقرة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.
الأسباب المعينة على التخلص من غواية الشيطان
فإنّ الشيطان عدوّ لنا كما قال الله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 6].
وهو يجري منا مجرى الدم، وقد عزم على إغوائنا وإبعادنا عن الصراط المستقيم حتى نكون في النار، ففي حديث الصحيحين: "إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم".
وقد أخبر الله تعالى عن الشيطان أنه قال: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [صّ: 82].
ومن الأسباب المعينة على السلامة من شره:
1 - الإيمان بالله وعبادته بإخلاص والتوكل عليه والاستعاذة به، قال الله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف:200 ]، وقال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [لنحل: 98-100 ].
وقد أخبر الله تعالى عن الشيطان أنه قال: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر:39-40 ].
فأجابه الله: (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ* إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:41 - 42].
2 - الالتزام بالكتاب والسنة والإكثار من تلاوة القرآن ولاسيما البقرة وبالأخص آية الكرسي والآيتين الأخيرتين من السورة. ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً ثم خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلاّ عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). رواه أحمد والحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة". رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة: أنّ الشيطان قال له إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقول الشيطان، قال: صدقك وهو كذوب. رواه البخاري.
وروى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنّ الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يُقْرَآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان. رواه الترمذي والحاكم والطبراني، وقال الهيثمي رجاله ثقات وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
3 - المحافظة على الصلاة في الجماعة والأذان لها وقيام الليل، فقد روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلاّ قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنّما يأكل الذنب القاصية". رواه النسائي وقال: قال السائب - أحد رواة الحديث - يعني بالجماعة جماعة الصلاة، ورواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح قال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه". رواه البخاري ومسلم.
وروى أبو هريرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلاّ أصبح خبيث النفس كسلان". رواه البخاري ومسلم.
4 - المحافظة على ذكر الله تعالى دائماً، ولا سيما الأذكار المقيدة: صباحاً ومساء عند النوم وعند الدخول والخروج والأكل والجماع وعند الخلاء ونزع الثياب، ففي حديث الحارث الأشعري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وآمركم بذكر الله كثيراً، وإنّ مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره حتى أتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلاّ بذكر الله". رواه أحمد والترمذي والحاكم وأبو يعلى واللفظ لأبي يعلى وصححه الأرنؤوط والألباني وحسين أسد في تحقيق مسند أبي يعلى، وقال فيه الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
5 - الالتزام بالجماعة، ففي حديث عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإنّ الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" وفيه: "ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". رواه الترمذي والحاكم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
6 - البعد عن اتباع خطوات الشيطان ومظانّ وجوده، كالسوق ومجالس النساء ولا سيما الخلوة والانفراد بهنّ، ومجالس الغناء، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [النور: 21].
وفي الحديث: "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، ففيها باض الشيطان وفرخ". رواه مسلم من حديث سلمان الفارسي موقوفاً ورفعه الطبراني وغيره. وفي الحديث: "ألا لا يخلونّ رجل بامرأة فإنّ الشيطان ثالثهما". رواه الحاكم من حديث عمر وصححه ووافقه الذهبي.
فخطوات الشيطان كالسلسلة من انساق وراءها لم تنته. وكل خطوة أعظم من التي قبلها، إلاّ أن يتدارك الإنسان نفسه بالإقلاع والتوبة وعدم الاستمرار والإصرار، قال تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون)[آل عمران: 135] وقال صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي.
كما أنّ من الأسباب المعينة على التحصّن من الشيطان – لعنه الله تعالى - تذكر الموت ولقاء الله عزّ وجلّ، فإن من تذكر أنّ الموت يأتي بغتة، وأنه سيلقى الله وسيسأله عن عمله، فإنه سيرتدع عن الذنب. وكذلك اللجوء إلى الله بالدعاء بأن يوفقه لفعل الطاعات، وترك المنكرات، والله لن يخيب من دعاه، قال سبحانه: (إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان..) [البقرة: 186]. إلى جانب الإكثار من النوافل بعد المحافظة على الفرائض فإن من أكثر من النوافل وفقه الله وسدد خطاه، فقد روى البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه". على أنّ الحرص على مجالسة الصالحين، وترك جلساء السوء، يساعد المرء على فعل الطاعات، وترك المنكرات... نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته.
الدعاء الذي يطفئ نار الشيطان
قال تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [ الزخرف: 36].
فعلى المسلم أن يكثر من ذكر الله تعالى حتى يبتعد عنه الشيطان، لأنه يفر عند سماع ذكر الله تعالى، فقد ثبت في الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا سكت المؤذن أقبل، فإذا ثوب أدبر، فإذا سكت أقبل، فلا يزال بالمرء يقول له اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى لا يدري كم صلى".
ومما يرد كيد الشيطان الاستعاذة بالله تعالى منه كما سبق بيانه... وكذلك ما جاء في الدّعاء المخصوص الذي جاء في نصّ الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في الموطأ وأحمد في المسند والنسائي في السنن والطبراني في المعجم الكبير وغيرهم: جاءت الشياطين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم شيطان معه شعلة نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه جبريل فقال يا محمد قل ما أقول: قال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر من شرّ ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شرّ ما ينزل من السماء ومن شرّ ما يعرج فيها، ومنّ شر ما ذرأ في الأرض ومن شرّ ما يخرج منها، ومن شرّ فتن الليل والنهار، ومن شرّ كل طارق إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمان"، قال: فانطفأت نار الشياطين، قال وهزمهم الله.
تلك كانت نبذة مختصرة عن هذا العالم المجهول، والذي استندنا في تصويره ورسمه إلى مراجع اعتمدت نصوص القرآن والسنة، والتي بينت بجلاء حقيقة هذا العالم، بعيدا عن الخرافات والخيالات الجانحة. والله أعلم وبالله التوفيق...