السبيل أونلاين نت - الإسلام بوصفه دين من عند الله، خير كله، ورحمة كله..لذلك كان بدهيا أن ينحاز، في هذا الصراع الأبدي إلى أهل الخير، ولا تزال شياطين الجن والأنس تواجهه بشتى الأسلحة منذ بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا.الأخطار التي واجهها الإسلام منها الداخلي ومنها الخارجي،غير أن أخطرها ما كان منها...
المفكر الإسلامي مالك بن نبي
بسم الله الرحمن الرحيم
ظاهرة التجديد في تاريخ الإسلام - الجزء الأول
أنجزه : د/ بشبر عبد العالي
مقدمة عامة في سنة الله في الصراع بين الحق والباطل وما يقتضيه ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن والاه.
[1] لقد اقتضت سنة الله تبارك وتعالى في هذا الكون أن يكون الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، صراعاً أبدياً مادامت السماوات والأرض.
[2] الإسلام بوصفه دين من عند الله، خير كله، ورحمة كله.. لذلك كان بدهيا أن ينحاز، في هذا الصراع الأبدي إلى أهل الخير، ولا تزال شياطين الجن والأنس تواجهه بشتى الأسلحة منذ بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا.
[3] الأخطار التي واجهها الإسلام منها الداخلي ومنها الخارجي، غير أن أخطرها ما كان منها نابعاً من الصفوف الداخلية، والذي يراجع حركة هذا الدين في التاريخ يجد مصداق ذلك، فكل أنواع الإخفاق والانهزام التي أصابت المسلمين كانت أسبابها الرئيسة ترجع إلى ضعف التمسك بالدين، أو عدم وضوح مبادئه وأهدافه عند عامة أهله، أو غفلتهم عنه، وكل العلامات المضيئة في مسيرة هذا الدين عبر التاريخ ترجع إلى عكس ما قدمنا أي قوة التماسك بالدين، ووضوحه لديهم وتنبهم إلى فداحة الأخطار التي تستهدفهم.
[4] وقد اقتضت حكمة الله أن يكون العلماء هم الرواد الذين يقودون الناس للتمسك بالدين، وتوضيح مبادئه وأهدافه للناس، وتنبيههم إلى ما يملكونه من رصيد مادي ومعنوي لمواجهة أشكال المكر والكيد.
[5] ومنذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي بدأ المسلمون ينتبهون إلى واقعهم الذي آلوا إليه: من تشتت وتعسف وظلم سياسي، واقتصادي، وضعف، وفقر، وجهل، ونهب لثرواتهم وبلدانهم وانقطاع عن شريعة ربهم وقيمها وأخلاقها، وحلول عقائد ومناهج وأفكار وقوانين غريبة بينهم.
[6] ومن ذلك الحين إلى الآن قامت دعوات ترفع رايات التجديد والإصلاح كل حسب رأيه ومنزعه الفكري والثقافي: فمنهم من جعل الإسلام منطلقا لعمله، ومنهم من تجاهله، ومنهم من اختار منه أشياء ورفض أشياء، ومنهم من عاداه صراحة، ومنهم من هادنه في الظاهر وبيت له المكر في الباطن، ومنهم من اقتنع به في الباطن وأنهزم أمام الواقع فعاداه في الظاهر... وهكذا.
[7] غير أن من المؤسف له أن الذين جعلوا الإسلام منطلقا لعملهم اختلفوا وتفرقوا شيعا وأحزابا وتوجهت جهودهم ليبطل بعضهم عمل بعض ويهدم بعضهم ما بناه بعض
[8] وهذه المقالات محاولة لتلمس المنهج الذي ينبغي أن ينتهجه المسلمون حتى يخرجوا مما هم فيه من ضعف وترتفع عنهم حالة المذلة والهوان.
تعريف التجديد وعرض حديث المجدد وتحليله:
أولا: تعريف التجديد:
1ـ تعريف التجديد في المعاجم اللغوية: أصل الجدّ في اللغة القطع، يقال جددت الشيء فهو مجدود وجديد أي مقطوع، ومن هذا قولهم ثوب جديد أي مقطوع كأن ناسجه قطعه الآن، هذا هو الأصل، وما جاء في ما لا يقبل القطع فعلى سبيل المجاز كقولهم جدد وضوءه، وجدد عهده ...الخ.والجديد كل شيء وجد ولم يكن قبل موجوداً، أولم يمر على وجوده زمن طويل.
أما التجديد فيستلزم ثلاثة عناصر: الأول: أن الشيء قد كان غير بال ولا خلق. الثاني: ثم صار بالياً وخلقاً. الثالث: ثم أعيد إلى مثل حالته التي كان عليها قبل أن يبلى ويخلق. فإن أعاده إلى حالة أخرى غير التي كان عليها من قبل فلا يقال تجديد بل هو اختراع وابتداع وابتكار.
2ـ كلمة تجديد في القرآن":
لم يأت في القرآن لفظ جدد أو تجديد ولكن جاءت كلمة جديد ومن ذلك: قوله تعالى: {وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } سورة الإسراء: الآية 49، فواضح أن هؤلاء يستعبدون بعقولهم الواهية أن يعيدهم الله بعد البلى على الصورة التي كانوا عليها.
وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } سورة سبأ الآية 7، ومعناه مثل الآية التي سبقتها في استبعاد استعادتهم على الصورة التي كانوا عليها.
وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سورة السجدة الآية10]، والضلال هنا معناه الذهاب والآية في معنى ما تقدم.
وقوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ سورة ق الآية 158] ، فالله تعالى لم يعجز عن خلق الناس أول مرة من العدم، فكيف يعجز عن إحيائهم مرة ثانية، فتضمنت الآية العناصر الثلاث للتجديد: الخلق الأول، ثم الموت والبلى، ثم البعث والإحياء.
3 ـ كلمة تجديد في الحديث الشريف: وردت هذه الكلمة في عدة أحاديث منها:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم"( ).ففي الحديث نلمح العناصر الثلاث للتجديد: فهناك إيمان دخل القلب واستقر فيه، ثم تآكل وتناقص، ثم يرجى عوده بالدعاء.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: "جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال أكثروا من قول لا إله إلا الله"(2)، فأشار هذا الحديث أن تجديد الإيمان يكون بالإكثار من قول لا إله إلا الله حيث يتأكد ما دخل في القلب أول مرة.
الحديث الثالث: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها فيحدث له استرجاعاً، إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها(3)، فتضمن الحديث تجديد الثواب بتجديد الاسترجاع.
الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسبوا الدهر، فإن الله عز وجل قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك" ومعنى تجديد الأيام والليالي أن كلما ذهب فقد بلى وكلما عاد يوم مثله فقد تجدد.
4 ـ تعريف التجديد اصطلاحاً:
لأن مصطلح التجديد قد نشأ من الحديث النبوي، فإن كتب شرح الحديث تضمنت طائفة من الأراء حول التجديد، ولكن لا يمكن أن تشكل تلك الآراء تعريفاً منضبطاً جامعاً مانعاً وإن كانت تلقي الضوء على تصورهم لماهية التجديد فنذكر أهمها:
[1] التجديد بمعنى الإعادة: ورد في عبارات السلف أن تجديد الدين إعادته إلى ما كان عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه (4)، وهذا التعريف عام جداً.
[2] التجديد بمعنى الإحياء: إذا أردنا تحديداً أكثر نقول "هو إحياء ما أندرس من العلم والعمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما"(5).
والذي يضيفه التعريف الثاني أنه بين لنا ما الذي اندرس وما الذي يجب أن يعاد، فلم يكتف بالإشارة إلى أن هناك اندراس في الدين يجب يحي وأنما أوضح أن النقص يتمثل في الجهل بالكتاب والسنة علماً وهجرهما عملاً، والتجديد أن يعلما ويعمل بهما.
المطلب الثاني: عرض حديث المجدد:
أخرج أبو داود في السنن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"(6).
وقد صحح الأئمة هذا الحديث حتى نقل البعض الإجماع على تصحيحه، وقال ابن حجر بعد أن ساق أقوال الأئمة في المجدد: (وهذا يشعر أن الحديث كان مشهوراً في ذلك العصر، ففيه تقوية لسنده، مع أنه قوي لثقة رجاله) (7)، وقال السيوطي: اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح ... إلى أن قال: وأما المتقدمون فكلهم لهجوا بذكر هذا الحديث(8)، وقال الزين العراقي: سنده صحيح( )، ومثله قال السخاوي(9)، وقاله المناوي أيضاً(10)، واعتمده العلماء منهم الزهري، وابن عينية، وأحمد والحاكم، والبيهقي، وابن عساكر، والنووي، وابن السبكي، وابن حجر، والذهبي، وابن الجزري، وابن كثير، وابن الأثير... كلهم اشتغلوا بتحديد من ينطبق عليهم الحديث، ولم نعثر بعد البحث عمن ضعف الحديث أو تكلم فيه.
* أحاديث تتضمن معنى التجديد ولكن بألفاظ أخرى: وردت أحاديث بألفاظ مختلفة ولكنها تتضمن نفس المعنى الذي تضمنه الحديث السابق نذكرمنها حديثين:
الحديث الأول: روى النحاس عن سفيان بين عينية قال: بلغني أنه يخرج في كل مائة سنة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقوي الله به الدين، وبنحوه أخرجه البزار(11)، فاستعمل لفظ التقوية بدل التجديد، والمعنى واحد لأن من معاني التجديد تقوية الدين في النفوس وفي الواقع.
الحديث الثاني: روى أبو نعيم في الحلية: (إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم(12)، فيكون التجديد هنا معناه بيان الدين بعد أن انحرفت الأفهام في درك معناه الحقيقي.
المطلب الثالث: تحليل حديث المجدد:
[1] إن حديث المجدد إحدى البشائر التي وعد بها الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يمنح المسلم أملا في نصر الله لعباده المؤمنين، ويقينا بأن هذا الدين لن يموت لا في نفوس الناس ولا في واقعهم مهما خبت جذوته ومهما قلّ رجاله.
[2] ليس هذا المبعوث رسولاً، ولكنه على منهج الرسل، ويتصف بالعديد من صفاتهم: منها أنه لا يعيش لنفسه وإنما لأمته، وأنه شخص مؤثر في مجريات الأمور والأحداث، وأنه قادر على إحداث توازن في مسيرة الحياة كلها ليأخذ الإسلام دوره القيادي والريادي في العالم.
[3] ليست ولادة المجدد ولا وفاته على رأس المائة هو المهم، بل المهم تجديده قال ابن الأثر: (..وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور مشار إليه)(13)، وقال السيوطي في منظومته:
والشرط في ذلك أن تمضي المائة ***وهو على حياته بين الفئة
يـــشار بــالعلم إلى مـقامه ***وينصر السنة في كلامه
[4] والمقصود بـ(الرأس) في قوله صلى الله عليه وسلم (على رأس كل مائة سنة) قيل أولها وقيل آخرها، وكلها محتمل في اللغة(14)، وجاء في الشرع الوجهان فمن الأول: (رأس الأمر الإسلام) (15)، ومن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: "قد كانت إحداكن ترمي البعرة عند رأس الحول" (16): يعني في آخره، وحيث نعود إلى الأئمة المجددين نجده محتملاً أيضاً فهذا عمر بن عبد العزيز الذي أجمعت الأمة على أنه مجدد المائة الأولى تولى سنة 99هـ وتوفى ـ رحمه الله ـ سنة 101هـ، والشافعي مجدد المائة الثانية توفى سنة 204هـ، ولعل المسألة تقريبية.
[5] واختلفوا في مبدأ المائة من أن يكون؟ أمن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أم من بعثته؟ أم من هجرته؟ أم من وقت نطقه بالحديث؟ أم من وفاته؟
والظاهر أن عدم تحديد المقصود بالرأس، وعدم تحديد المبتدأ قصد منه أن المجدد يظهر كلما دعت الحاجة إليه لبعد الناس عن عهد النبوة أو لبعدهم عن عصر المجدد السابق ، وهذا ينسجم مع الأحداث التاريخية كلها ومع حكمة هذه الشريعة التي تأتي وفق ما تقضية الأسباب غير مقيدة بفترات معينه، كما أن الأحداث النازلة بالمسلمين في دينهم ودنياهم والتي يفتقرون خلالها إلى ذلك المجدد غير متوقفة على زمن محدد، ثم إن هذا المجدد قد لا تظهر آثاره التجديدية في حياته بل تظهر في الأجيال التالية. كل هذا يجعل التحديد الذي في الحديث مرناً إلى حد بعيد.
[6] واختلف العلماء هل من شرط المجدد أن يكون فرداً، أم يطلق على الفرد والجماعة، واختار السيوطي أن المقصود به فرد ونسب هذا الرأي للجمهور فقال:
فكونه فرداً هو المشهور *** قد نطق الحديث والجمهور
واختار آخرون العموم منهم الحافظ بن حجر وابن الأثير والذهبي والمناوي وغيرهم ... واستدلوا بحديث مشهور (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)(17)، قال البخاري: وهم أهل العلم(18)،: وقال بن المديني هم أهل الحديث(19)، وقال الإمام النووي: (يحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد ... ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض(20)، والذي لا شك فيه ولا ارتياب أنه يستحيل أن يكون المجدد من غير أهل السنة من علمائها ومن أهل الفضل والتقوى فيهم، وقد يكون لهذه الطائفة رؤوس يمتازون بالعلم الواسع، والعمل النافع، في بلد أو بلدان فرداً أو أفراد فهؤلاء لهم من التجديد أوفر نصيب.
.....والراجح أن لا ينحصر التجديد في شخص واحد وذلك للأسباب التالية:
{أ} اتساع مجالات الانحراف وتعدد طرقه وأسبابه. مما يقصر عنه جهد فرد واحد من الناس.
{ب}اتساع رقعة الأمة وانتشارها مما يتعذر أن يغطيه فرد واحد من الناس.
{ج} أن المولى عز وجل لم يجعل قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتفقه في الدين منوطاً بالأفراد بل بالجماعات فقال عز من قائل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه} سورة آل عمران: الآية (110).. وقوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة آل عمران الآية (104). وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } سورة التوبة الآية (122).
{د} أن الصفات المحتاج إليها في التجديد لا تنحصر في نوع من أنواع الخير، ويتعذر اجتماعها كلها في شخص واحد بل الأقرب تفرقها في عدد من علماء الأمة وفضلائها، قال ابن الأثير ما ملخصه: "لا يلزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بالمبعوث الفقهاء خاصة فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعاً عاماً في أمور الدنيا والدين، إلا إن انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقرّاء والوعّاظ، والزهّاد.. فإن كل قوم ينفعون بفن لا ينفع به الآخر، إذا الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وأصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهّاد ينفعون بالمواعظ والحثّ على لزم التقوى، فالأحسن والأجدر أن أن يفهم الحديث على أنه إشارة إلى بعث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة يجددون للناس دينهم(21).
وقال ابن كثير: "الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف، كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين"(22).
-------------------------------
الهوامش:
1. رواه الطبراني بإسناد حسن والحاكم ورواته ثقات وقال العراقي حديث حسن، انظر الجامع الصغير للسيوطي..
2. مسند الإمام أحمد 2/359.
3. المصدر السابق 1/201.
4. ابن عساكر: تبين كذب المفتري 53.
5. انظر عون المعبود 11/386.
6. أخره أبو داود، كتاب الملاحم، والحاكم في المستدرك، والخطيب في تاريخ بغداد، وابن عدي في الكامل والبيهقي في (معرفة السنن والآثار) و (مناقب الشافعي )و(الطبراني والأوسط).
7. توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس 24.
8. لتنبئة فيمن يبعث الله على رأس كل مائة.
9. انظر مرقاه الصعود للسيوطي ص 189.
10. المقاصد الحسنة ص 121.
11. فيض القدير (1/282).
12. الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس، وتوالي التأسيس لابن حجر.
13. حلية الأولياء، لأبي نعيم (9/79).
14. جامع الأصول من أحاديث الرسول (ص) ج11 ص 324 ).
15. انظر الصحاح للجوهري 3/933.
16. شرح النووي على مسلم، كتاب الإمارة (13/66).
17. جامع الأصول من أحاديث الرسول (ص) 11/320، 324.