العدد الأخير من سلسلة معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي
السبيل أونلاين نت - يعتبر الإسلام أن الثروة هي أمانة وضعها اللهُ في يد الإنسان نعمة منه ليستعملها في أبواب الخير والتقدم من أجل المساهمة في تحسين أسباب العيش للفقراء والمساكين ووضع نظام اجتماعي عادل يسوده التضامن والانسجام والسلم الاجتماعي (132) . وتتجلى مظاهر العدالة الاجتماعية في المذهب الاقتصادي الإسلامي...
سلسلة معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي- العدد الأخير
السبيل أونلاين - إقتصاد
إعداد : الدكتور محمد البشير بوعلي
الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في ضوء العدالـــة الاجتماعية
قبل التعرض إلى هذه العناصر الثلاثة الأساسية في كل مذهب اقتصادي، وهي "الإنتاج" و"التوزيع" و"الاستهلاك"، يجدر الإشارة إلى أنها عناصر متداخلة ومتشابكة في الواقع الاجتماعي، لا يمكن فصلها حقيقة، ولكن لا مناص من الفصل بينها نظريا لغاية تعليمية تساعد على توضيح الأفكار وسهولة عرضها..
1- الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي: (سبق تناوله في العدد الثالث عشر)
2- التوزيع في الاقتصاد الإسلامي:
مفهوم التوزيع: في اللغة "التوزيع هو القسمة والتفريق، يُقال: توزعوه فيما بينهم أي تقسموه" (130)، وفي الاصطلاح الاقتصادي "يُقصَد به التوزيع الوظيفي للدخل القومي بين عوامل الإنتاج؛ من موارد طبيعية وعمل وعمال، ورأس مال وتنظيم وإدارة، لأن هذه العوامل جميعا أسهمت في إيجاد هذا الدخل وتكوينه وجعله كبيرا أو صغيرا. فكان لكلٍّ منها نصيب في التوزيع. وقد يُستخدم التوزيع - اصطلاحا أيضا - في الدلالة على ذلك الجانب من التجارة الذي يتعلق بحركة السلع والخدمات من المنتج إلى المستهلك" (131).
مظاهر العدالة في توزيع الثروة: يعتبر الإسلام أن الثروة هي أمانة وضعها اللهُ في يد الإنسان نعمة منه ليستعملها في أبواب الخير والتقدم من أجل المساهمة في تحسين أسباب العيش للفقراء والمساكين ووضع نظام اجتماعي عادل يسوده التضامن والانسجام والسلم الاجتماعي (132). وتتجلى مظاهر العدالة الاجتماعية في المذهب الاقتصادي الإسلامي خصوصا "فيما زُوّد به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي من عناصر وضمانات تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلامية، وانسجامه مع القيم التي يرتكز عليها..." (133) . كما له طرقه الخاصة المتميزة عن سائر المذاهب الاقتصادية الوضعية في تحقيق توزيع الثروة بطريقة حكيمة عادلة، من أهمها:
- الزكــاة: ما جاء تشريع الزكاة في الشريعة الإسلامية إلاّ لغاية تخفيف الفوارق بين فئات المجتمع، بأخذ أقدار معلومة من أموال الأغنياء وإحالتها إلى الفقراء في داخل المجتمع الإسلامي. وهذا بلا شك مظهر جلي من مظاهر تطبيق العدالة في توزيع الثروة بين الفئات الاجتماعية المتفاوتة في إمكاناتها المالية. بل إنّ الإسلام لم يرض اعتبار هذا النمط من الممارسة العادلة منة أو محض مساعدة أو رأفة تجاه أولئك، بل هو حق ابتدائي للفقراء قد عاد إليهم، كما يدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم" (134).
فالإسلام لم يكتف بضمان حقوق الفقراء في توزيع ثروات بلادهم الطبيعية، وضمان عدالة توزيع فرص العمل والامتيازات، بل دعم ذلك بمورد الزكاة ليقويّ هذه الضمانات التي تحقق وصول الأموال إلى الفقراء، من هذا المورد المنفصل عن بيت مال المسلمين، وهو أقرب ما يكون إلى بيت مال الفقراء.
- الميراث: وهو من مظاهر التكافل الأُسري بين أفراد العائلة الواحدة، وفي نفس الوقت هو طريقة ناجحة في توزيع الثروة، إذ "يقود إلى بالضرورة إلى إحكام التوازن التام في الأمة، لذلك أولى الشرع عناية فائقة في ربط العلاقات العائلية بمعالجات اقتصادية قوية البنيان راسخة الأثر والنتائج. وذلك بجعل المال الموروث عن التركات يعود إلى مستحقين أكثر عددا، وإلى منتفعين أكثر من المستحقين. وبذلك يزداد تداول المال في المجتمع، وتُسد عوزة من كان بحاجة لا يستطيع نوالها لسبب أو لآخر، فقرر الاقتصاد الإسلامي ذلك بعد موت المورّث...فنظام المواريث ضمِن مثالية إعادة توزيع الثروة بتفتيتها من ثروات كبيرة بيد غني واحد، إلى ثروات بيد أغنياء" (135).
الوصية: وهي "هبة الرجل ماله لشخص آخر أو لأشخاص بعد موته" (136). وحَدّها الأقصى ثلث التركة لقوله صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (137). وواضح من عبارته صلى الله عليه وسلم الأخيرة مقصد العدالة في توزيع الثروة بين الورثة أصحاب الأنصبة المعلومة في قانون الميراث، وغيرهم من أصحاب الوصية. حيث حرص الإسلام على إغناء أقارب الميت بالمال الذي يتركه، وفي نفس الوقت حثه على التبرع ببعض المال لإفادة غيرهم ممّن تطيب نفسه لهم، لسد فاقة أو رد معروف، لقوله تعالى:{من بعد وصية يوصي بها أو دين}(النساء،11). وفي ذلك كله خير، طالما أن مال المسلم الواحد سينتقل إلى مسلمين متعددين، فتغتني بذلك الجماعة بعد وفاة الفرد، ويصبحون أغنياء بعد فقرهم. ويتحقق بذلك مقصد تداول الثروة بين الأجيال بالعدل، والإسهام في مقاومة الفقر، وتذليل الفوارق بين فئات المجتمع المسلم، بمنع تكديس الثروات في أياد معدودة.
الوقف: الوقف عند الفقهاء "حبُس العين على ملك الواقف أو على ملك الله تعالى" (138). وهو شبيه بالزكاة من حيث كونه يمثل سندا لبيت مال المسلمين، يدعم الفقراء بالصدقات الجارية التي لا تتوقف، دون إثقال كاهل ميزانية الدولة العامة بأعبائهم، لتتفرغ لتحقيق المصالح والخدمات الاجتماعية العامة، لمّا يوجد بالتوازي موردان ماليان مهمان مثل "الزكاة" و"الوقف". وهو شبيه بالزكاة أيضا في كونه نظاما ماليا رائدا وفريدا من نوعه، لطالما كان في خدمة الفئات الاجتماعية الضعيفة في المجتمعات الإسلامية. فهو من هذه الناحية نمط تضامني راق، وطريق مهمّ لتوزيع الثروة، بتكثيف مواردها ثم توزيعها بين مصارفها الأوْلى بها والأحوج إليها.
وقد أثبتت التجربة أنّ أموال الوقف قادرة على دعم اقتصاديات الدولة وتوفير خدمات عظيمة للمجتمع الإسلامي، "مثل وقف المساجد والحوانيت والأراضي والخانات ودور العلم والمدارس، ووقف المقابر والبيوت الخاصة للفقراء والسقايات والمطاعم الشعبية التي يُصرف فيها الطعام للفقراء والمحتاجين... ووقف الآبار في الفلوات لسقاية المسافرين والزروع والماشية. ووقف عقارات وأراض يُصرف من ريعها على المجاهدين وعلى إصلاح القناطر والجسور في حال عجز الدولة. وكثير من الأوقاف كان يُصرف ريعه على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين. بل إنّ الوقف شمل ما حُبس ريعه لتزويج الشباب والشابات الذين تضيق أيدي أوليائهم عن نفقاته" (139). وتلك من المظاهر الراقية في توزيع الثروة.
ولكن مؤسسات الوقف في المجتمعات الإسلامية تعيش اليوم تراجعا شديدا في مواردها بسبب تراجع ثقة الناس في الأجهزة الرسمية المشرفة على أموال الوقف، والتي تجعل المتبرّعين يفضلّون القيام بالأعمال الخيرية الخاصة بهم.
3- الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي:
مفهوم الاستهلاك: الاستهلاك في المفهوم الاقتصادي هو "عمليات الإشباع المتوالية للحاجات بواسطة السلع والخدمات، فالاستهلاك إذًا هو الشرط المادي لاستمرار الوجود الإنساني وبه قوام الطاقات الجسدية والعقلية والروحية للإنسان، لذلك فهو واجب بقدر ما يشبع حاجات الإنسان ويحقق حفظ النفس والدين والعقل" (140).
الاستهلاك وسيلة لا غاية: ليس الاستهلاك مجرد ميل ذاتي من الإنسان تجاه الأشياء التي ترغب النفس في الحصول عليها، بحيث يجعل منها غاية لذاتها، بل هو وسيلة لغاية أبعد من محض الاستهلاك لا بدّ من إدراكها واستحضارها، لكي لا يكون المسلم عبدا للأشياء تنتهي مهمته الوجودية بتحصيلها. فالمهمة المحورية للوجود الإنساني في هذا الكون هي عبادة الله تعالى، فلا يجوز للمسلم أن ينتج أو يستهلك إلاّ ما من شأنه أن يكون خادما لتلك الغاية، لا قاصرا على محض الاستهلاك دونها، ولا معطلا لها، وإلاّ تردّى إلى المستوى الحيواني القاصر على إشباع نهم النفس ورغباتها الآنية برفاهية جامحة.... لذلك فقد حرّم الإسلام استهلاكَ كل ما فيه مضرة بجسم الإنسان أو عقله أو روحه، من ميتة ودم وخنزير وخمر...لأنّ ذلك يضر بطاقات الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية، ومن ثم يتنافى مع غاية وجوده.
عدالة الاستهلاك: رشّد الإسلام الاستهلاك وجعل منه عملية واعية ومسؤولة في التصور الإسلامي، فهو يخضع إلى مفهوم "الوسطية والاعتدال" فلا إفراط ولا تفريط في الاستهلاك، "فالاستهلاك والاستفادة والانتفاع بما خلق الله أمر طيب في الإسلام طالما أنه لا يقوم على إدخال الضرر بالنفس أو الإضرار بالغير. فالقرآن الكريم يرفض أي ادّعاء بتحريم الاستمتاع بما خلق الله حتى عندما يكون هذا الاستمتاع تحسينيا كالزينة. يقول تعالى:{قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق...}(الأعراف،32). أما تضخم الاستهلاك - كما هي صفة المجتمع غير الرباني - فأمر لا يقرّه ويصفه بالإسراف والتبذير، وكلاهما محرّمان. فالتبذير هو الإنفاق في الحرام أو الإنفاق فيما لا يحرم ولكن بصورة فيها سفه. ولقد أصبح التبذير من الصفات المميزة للإنفاق في "مجتمعات الاستهلاك" المعاصرة في الغرب. أمّا الإسراف فهو الإنفاق في الحلال بصورة تزيد كثيرا عن الحاجة والمعقول وهو محرم أيضا. ذلك أن الإسلام يدعو إلى اتخاذ سبيل الاعتدال والتوازن في الاستهلاك والإنفاق، وهو سبيل متميز عن كلٍّ من البخل والإسراف" . قال تعالى:{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا}(الإسراء،39).
الهوامش :
130 - الرازي، مختار الصحاح، ص675.
131 - علي عبد الحليم محمود، التربية الاقتصادية الإسلامية، القاهرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، دط، دت، ص21.
132 - انظر: عبد الحميد الإبراهيمي، العدالة الاجتماعية والتنمية في الاقتصاد الإسلامي، ص64.
133 - باقر الصدر، اقتصادنا، ص303
134 - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، 1427هـ ـ2006م، ص283، حديث رقم: 1395.
135 - محمود الخالدي، اقتصادنا مفاهيم إسلامية مستنيرة، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 1426هـ ـ 2005م، ص299.
136 - ابن رشد، محمد بن أحمد الأندلسي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، دت، ج2، ص252.
137 - عليه، انظر: صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء، ص558، حديث رقم:2742.
138 - إبراهيم أنيس (بالاشتراك)، المعجم الوسيط، ص1095.
139 - انظر: محمد الصدفي، الوقف، كيف يعود إلى عصره الذهبي، مجلة "كل الأسرة" العدد 678، 11 أكتوبر، 2006م، 19رمضان، 1427هـ، ص41.
140 - عبد الجبار حمد عبيد السبهاني، الوجيز في الفكر الاقتصادي الوضعي والإسلامي، ص259.