مع رفيق عبد السلام في المسألة الحضارية: الحوار الكامل
السبيل أونلاين نت - جاءنا طلب من أحد الإخوة بإعادة نشر الحوار الذي أجريناه مع الأخ رفيق عبد السلام جملة واحدة، فلم نستعجل في تلبية الطلب كراهة إعادة نشر نفس المادة. ولما تكرر الطلب وبإلحاح وعلمنا أنه رغبة صاحب الحوار نفسه بادرنا بالإعادة، وحرصنا على إضافة تعليق مستعجل،ونسأل الله أن يكون في هذا النشر تيسيرا لانتفاع التونسيين به...
بسم الله الرحمان الرحيم
مع رفيق عبد السلام في المسألة الحضارية: الحوار الكامل
في المسألة الحضارية – الحلقة الخامسة (كاملة)
في العلمانية والدين والديمقراطية.. المفاهيم والسياقات
جاءنا طلب من أحد الإخوة بإعادة نشر الحوار الذي أجريناه مع الأخ رفيق عبد السلام جملة واحدة، فلم نستعجل في تلبية الطلب كراهة إعادة نشر نفس المادة. ولما تكرر الطلب وبإلحاح وعلمنا أنه رغبة صاحب الحوار نفسه بادرنا بالإعادة، وحرصنا على إضافة تعليق مستعجل، ونسأل الله أن يكون في هذا النشر تيسيرا لانتفاع التونسيين به.
تأطير ورشة حضاريات :
هذه هي الحلقة الخامسة في محور"المسألة الحضارية"، وقد خصصناها لحوار أجراه الأخ سيد فرجاني باسم ورشة حضاريات بالسبيل أون لاين مع الباحث الأخ رفيق عبد السلام .
وقد بدأنا هذا الحوار من كتابه المنشور أخيرا تحت عنوان "في العلمانية والدين والديمقراطية.. المفاهيم والسياقات" ، ثم مررنا إلى مسائل وقضايا في علاقة بموضوع الكتاب لامسها الباحث ولم يتناولها ، أو تناولها بقدر غير كاف . ومثل هذه القضايا هي أساسية مطلوب إثارتها في هذه المرحلة ، والإجابة عنها بشكل سليم قد يؤسس لمراجعات سليمة لفهمنا للمنظومة الغربية.
بدأنا حوارنا مع الأخ رفيق بطلبِ أن يقدم لنا كتابه ، فأجابنا بأنه يمكننا أن نعتمد تقديم محمد أعماري المنشور في شهر فيفري الأخير بركن المعرفة بموقع الجزيرة . وجملة هذا الذي تحصل عندنا قدمناه – بحمد الله - في أجزاء ثلاثة ، وسنقدمه الآن موحدا في تمهيد يتناول تقديم الكتاب ثم الحوار:
تمهيد: تقديم كتاب "في العلمانية والدين والديمقراطية.. المفاهيم والسياقات"
يطرق كتاب "في العلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات" لمؤلفه رفيق عبد السلام -الباحث المتفرغ بمركز الجزيرة للدراسات- إشكاليات ظهرت إلى الوجود منذ قرون ولا تزال تتفاعل إلى اليوم ويستجد فيها النقاش بشكل مستمر.
وأصل الكتاب، الذي نشره مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم (ناشرون)، أطروحة دكتوراه قدمها مؤلفه بجامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة تحت عنوان "الإسلام والعلمانية والحداثة"، وهي في طريقها إلى النشر باللغة الإنجليزية.
وقد أعاد صياغتها "بما يستجيب لحاجة القارئ العربي بدل الاعتماد على الترجمة وما يصاحبها عادة من ضعف البيان ومجافاة الأسلوب العربي المبين".
وقد جاء الكتاب، حسب كاتبه، استجابة لحاجة يراها في الواقع العربي والإسلامي نظرا لكون "مسألة العلمانية وما يرتبط بها من مفاهيم جديدة كالعولمة وما بعد الحداثة وما شابه ذلك، من أهم ما يواجه الوعي السياسي العربي الإسلامي من تحديات".
1 - زلازل مفروضة
ويلاحظ صاحب الكتاب أن المجتمع العربي الإسلامي شهد "زلازل" بفعل التحديث والعلمنة و"تحولات عسيرة الهضم، مرة المذاق والطعم" لأنها جاءت "مفروضة بحركات الجيوش وفوهات المدافع".
كما ينبه إلى أن التغريب والتحديث تغلغلا في مختلف المجتمعات، لكن استجابة العالم الإسلامي لهما "يتزاوج فيها القبول بالممانعة وتتداخل فيها خيوط التكيف مع الصد والرفض".
وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب سعى المؤلف في أولها إلى معالجة العلمانية من الزاوية النظرية بالتنقيب عن دلالتها اللغوية والفكرية التي وجدها "بالغة التشعب".
2 - التباس دلالي
ووقف الكاتب المتخصص في الفكر السياسي والعلاقات الدولية عند ما يرى أنه "التباس دلالي" في مصطلح العلمانية ومشتقاته الأخرى نتيجة "حالة الاستقطاب الشديد التي تشق الساحة العربية الإسلامية والتي انعكست بدورها على استخدام المصطلح مبنى ومعنى".
وهذا الالتباس يرجع في أصله، حسب ما استنتج رفيق عبد السلام، إلى "حالة الالتباس الدلالي الذي يطبع كلمة علماني في أصل الاستخدام الأجنبي نفسه".
وقد استعرض الكاتب المعاني التي ألبستها العلمانية عند الرومان ثم عند اليونان وكذا عند المسيحيين.
وينتقل إلى مناقشة العلمانية من حيث هي نظرية، ويؤكد أنها "مولود حديث العهد لا يزيد عمره عن قرنين من الزمن"، مضيفا أن نظريات العلمنة تأثرت "بدرجات متفاوتة بالتوجهات الوضعية والنزعات الإلحادية الجذرية للقرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين".
3 - تعدد العلمانيات
ثم تناول العلمانية باعتبارها ظاهرة تاريخية واجتماعية، وخلص إلى "تعدد العلمانيات وتنوعها"، مشيرا إلى أنه "ليس ثمة علمانية واحدة تنتظم كل هذه التجارب".
وخلص المؤلف إلى "نفي ما يشاع عن العلمانية من أنها قرينة التسامح والانفتاح"، وبين أن "الكثير من تجارب العلمنة، سواء في الغرب أو في الشرق، لم تخل من وجوه عنيفة مرعبة ومظاهر تسلطية مفزعة".
ويرى أن "عملية الفصل بين الديني والسياسي تعد جزءا من ظاهرة أعم وأشمل تتمثل في إبعاد الدين عن الحياة العامة ومختلف المؤسسات الاجتماعية"، وأن العلمانية "كانت عبارة عن حل عملي فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت عموم القارة الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر".
ويتحدث الكتاب عن جذور وظروف نشأة العلمانية الفرنسية وخصوصياتها، فيرى أن فرنسا اللائكية "تظل كاثوليكية الأعماق والروح"، وأنها "ما زالت منطبعة بروح كاثوليكية ظاهرة وخفية".
وتطرق المؤلف إلى علاقة الدين بالسياسة في الولايات المتحدة الأميركية التي قال إنها بلد "من الخطإ المجحف قراءة الوضع الديني فيه من خلال الزاوية الحصرية ممثلة في ثنائية كنيسة/دولة، لأن هذه الزاوية الضيقة لا تقدم صورة كاشفة لا لواقع الدين ولا لمسار العلمنة على السواء".
ويخلص إلى أن "خيار العلمانية كان في صورته الغالبة مستجيبا لمطلب تحرير الدولة القومية من سيطرة الكنائس التي كانت تقاسمها النفوذ السياسي تارة وتنازعها أخرى على مر قرون مديدة".
وحركة العلمنة في نظر الكاتب "مولود طبيعي لصعود القوى الاجتماعية والسياسية المراهنة على ضبط حركة الكنيسة والحد من سلطان الدين عامة، وإن أخذت في بعض المناحي وجهة جذرية ومناهضة للدين بشدة".
4 - علاقة الإسلام بالعلمانية
أما الباب الثاني فقد خصصه المؤلف لدراسة العلاقة الرابطة بين الإسلام والعلمانية لا بقصد "تقصي مواطن التعارض أو التوافق" بينهما، وإنما بهدف "بيان الطابع المركب للإسلام والعلمانية على السواء" و"جلاء الخاصية المعقدة لهذه العلاقة" بحيث يكون فيها "من الائتلاف بقدر ما فيها من الاختلاف ، وفيها من الالتقاء بقدر ما فيها من التباعد والتجافي".
فالإسلام، يقول رفيق عبد السلام ، "وإن كانت مبادؤه الكبرى منضبطة بضوابط النصوص المحكمة، فإنه دين تعددي على صعيد التأويل والفهم"، وعلى صعيد "الممارسة الفردية والاجتماعية"، وكذلك الأمر بالنسبة لأدبيات العلمانية "فإنها بالغة التعدد والاختلاف".
ويجمل الكتاب نظرة الباحثين الغربين إلى علاقة الإسلام بالعلمانية في ثلاثة تيارات: الأول يرى الإسلام ممانعا ممانعة تامة للعلمانية والحداثة، والتيار الثاني يبشر بعلمنة الإسلام وإخضاعه لمسار الحداثة والعلمانية.
أما التيار الثالث فيركز على البعد السياسي للعلمانية ويعطيها الأولوية على باقي الأبعاد الفكرية، ويقول تبعا لذلك إن التقاليد السياسية العلمانية ليست غريبة عن التاريخ السياسي الإسلامي.
5 - قراءات جاهزة
وما يميز هذه التيارات الثلاثة، حسب المؤلف، هو أنها "لا تقرأ الإسلام من خلال مفاهيمه الأساسية ومقولاته الداخلية، بل غالبا ما تخضعه لنماذج نظرية جاهزة ومفاهيم نمطية ضاربة الجذور وممتدة العروق في الموروث المسيحي والاستشراقي".
ويقرر الكاتب في هذا الباب الثاني أن الاعتراض على العلمانية من جهة نزوعاتها الدهرية المادية لا يخص المسلمين وحدهم، بل تشاركهم فيه تيارات واتجاهات كثيرة في العالم تنبهت إلى مخاطر النظرة المادية النفعية للكون والعلاقات الإنسانية، فكان أن نادت بضرورة استشعار المسؤولية الأخلاقية، سواء في مجال الاقتصاد والعلاقة الإنسانية، أو في مجال العلاقة بالكوكب والطبيعية.
ولئن كان لهذه التيارات خلفية دينية واضحة -يضيف الكاتب- كما هو شأن الكنائس والتيارات المحافظة، فإن منها ما ليس له بالضرورة علاقة بالتوجهات الدينية، كما هو شأن القوى المنادية بالمحافظة على البيئة والحركات المناهضة للعولمة.
وأما الباب الثالث فأفرده الكاتب للديمقراطية التي أصبحت "مطلبا لقوى سياسية وتيارات فكرية كثيرة في عالمنا العربي والإسلامي"، فرجح أن الديمقراطية إن هي إلا "آلات إجرائية وظيفية قد تصلح لعلاج معضلة التسلط والاستبداد السياسي، وليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والأديان، ولا هي حل سحري يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي".
وسعى الكاتب في هذا الباب إلى "دراسة ظاهرة العلمنة السياسية الاجتماعية التي فرضت نفسها في الواقع العربي والإسلامي خلال القرنين الماضيين"، كما حاول "نفي الاقتران الحتمي والتزاوجي بين العلمنة والدمقرطة على نحو ما هو جار على ألسنة وأقلام كثير من الكتاب الغربيين والعرب على السواء".
6 - منظومة مزاحمة
وقد وجد المؤلف أن "نشوء حركة العلمنة في العالم الإسلامي كان تعبيرا عن حالة تصدع وانقسام بين جيوب النخب وبين الفضاء الشعبي الواسع وذلك في أجواء التوسع الإمبريالي، وقد كان ذلك متزامنا مع نشأة خطاب تداولي جديد مقصور في حركته التبادلية والتواصلية على دائرة النخب الضيقة ومصادم في عمومه للخطاب التداولي المحلي".
ولتفسير حالة الانقسام الثقافي والاستقطاب السياسي العنيف "الذي نراه في مشاهده المؤلمة في أغلب الأقطار الإسلامية"، يقول مؤلف "في العلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات" إن "نظام الرموز الإسلامية يمثل جسر التواصل التداولي في إطار الاجتماع الإسلامي.
وفي مقابل ذلك يشكل الخطاب العلماني منظومة تداولية موازية ومزاحمة له، ولكنها قاصرة في وظيفتها التداولية ومجراها التواصلي على حدود النخبة التي تشكلت في مناخات الاختيار الإمبريالي الغربي".
ورغم هذه المزاحمة للرموز الإسلامية من لدن الخطاب العلماني، يقرر الكاتب أن "احتكاك الإسلام بالغرب الحديث رغم ما رافقه من بعض مظاهر الاضطراب والقلق الداخلي - على اعتبار أنه احتكاك لم يكن حركة تثاقف هادئة بقدر ما كان اكتساحا عسكريا عنيفا - لم يؤد إلى تحلل المنظومة الرمزية الإسلامية أو تحولها إلى مجرد تعبير فولكلوري مثل ما جرى لثقافات أخرى اجتاحتها صدمة الحداثة الغربية".
(المصدر:الجزيرة - ركن المعرفة – عروض كتب 2008 )
الحــــــــــــوار
س1: ما هو الحد الفاصل بين العلمانية والحداثة؟
ج: لا أستطيع الجزم بأن هنالك حدودا فاصلة وقاطعة بين العلمانية والحداثة، كما أنني لا أسلم في نفس الوقت بأنهما حالة مترابطة لا فكاك فيها. فإذا تناولنا الحداثة ضمن السياقات الغربية يتبين أنها ظاهرة بالغة التركيب والتنوع ، فيها من الدين بقدر ما فيها من العلمنة. في الشق البروتستانتي من الغرب مثلا، وخصوصا في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، لعبت الكنائس الانجيلية والمختزنات المسيحية ، سواء في شكلها المباشر أو في شكلها المعلمن ، دورا بارزا في تشكل معالم الحداثة في هذه الرقعة من العالم ، حيث يتداخل الديني بالعلماني في إطار ما يسمى بطريقة الحياة الأمريكية. الولايات المتحدة الأمريكية قامت من أصلها على تطلعات الجماعات الطهورية والانجيلية - الهاربة من براثن الحروب الدينية في القارة الأوروبية ، في القرنين السادس عشر والسابع عشر- في استعادة أمجاد روما وأثينا القديمتين، بدل التطلع إلى القطع مع الماضي والتاريخ، لأنه لا يوجد مثل هذا الماضي أو التاريخ المديد الذي يمكن القطع معه أو الانفصال عنه أصلا. أما في الفضاء الكاثوليكي حيث توجد كنيسة تدخلية وبالغة الوطأة ، إلى جانب مواريث مدرسية مغلقة (سكولاستيكية)، فقد أخذت الحداثة شكل التمرد والانقلاب الفجائي على الميراث المسيحي وسلطة الكنيسة ، وتقدم التجربة الفرنسية وإلى حد ما بلدان الجنوب الأوروبي مثالا على ذلك. طبعا يجب تنسيب الأمور بعض الشيء حتى لا نسقط في آفة التهويل والمبالغة ، فظاهرة الصدام هذه ليست قانونا حتميا وقاطعا بما في ذلك في الشق الكاثوليكي نفسه ، والدليل على ذلك أن بلدا مثل اسبانيا والكثير من بلدان أمريكا اللاتينية الكاثولوكية اليوم لم يبرز فيها مثل هذا الصراع الحاد بين الدين والحداثة ، أو حتى بين الكنيسة والدولة.
مشكلتنا في العالم العربي تعود في وجه من وجوهها إلى أننا نقرأ مسار الحداثة شديدة التنوع والثراء من خلال النافذة الفرنسية بالغة الضيق، وهي تجربة لا تقدم صورة دقيقة عن ملابسات هذه التجربة حتى في الفضاء الأوروبي، بله الحديث عن الفضاء العالمي. فكرة القطيعة المطلقة بين الحداثة والتاريخ، أو بين ما يسمى بالحداثي والتقليدي التي يلوذ بها القطاع الأوسع من المثقفين العرب، والمنحدرة بدورها من الأدبيات الفرنسية خاصة ، لا تعبر فعلا عن واقع التجربة العنينة للحداثة، بقدر ما تعبر عن تصور خيالي أقرب ما يكون إلى الوهم منه إلى الحقيقة.
ومع كل ذلك يمكن القول على سبيل الجملة بأن المواريث المسيحية المنصهرة بدورها في مؤثرات رومانية وإغريقية قديمة قد تم امتصاصها بأشكال مختلفة في سياق الحداثة الغربية ، حتى في حالات الانقلاب والتمرد العنيفين، بل إن الكثير من أفكار الحداثة وتعبيراتها الاجتماعية والسياسية تحمل بصمات مسيحية وإن كان ذلك في قالب مدهرن (نسبة إلى الدهري) . خذ مثلا جهاز الدولة الحديثة ستجد أنه استدعى الكثير من الوظائف والطقوس الكنيسة ، كما أن الكثير من الأسس النظرية التي قامت عليها فكرة الدولة القومية الحديثة مثل فكرة السيادة المطلقة، والإرادة الكلية والجامعة ليست إلا لاهوتا مسيحيا معلمنا. كما أن فكرة القومية التي تعتبر احدى أهم القوى المؤثرة في عصرنا الراهن أخذت الكثير من المظاهر الكنسية، فليست رفرفة الأعلام، وعزف الموسيقى ووضع الأيدي على الصدور سوى طقوس كنسية في ثوب علماني.
هناك الكثير من المثقفين العرب يريدون تقديم صورة نمطية وموحدة للحداثة مفادها أنها منظومة مكتملة ومطلقة إما أن تؤخذ كلها أو ترد كلها، ويبدو لي أن مثل هذا التصور أسير إدعاءات كونية مبالغ فيها، فضلا عن كونه يعدم الإمكان التاريخي والنظري في شق مسالك وطرائق مغايرة في الحداثة. أنا ممن يقولون بأن الحداثة هي حداثات متعددة ومتنوعة وليست كتلة موحدة وصماء، وعليه بمقدور الشعوب أن تختط لنفسها نموذجها أو نماذجها الخاصة في الحداثة بما ينسجم مع ميراثها الرمزي ومصالحها الخاصة. صحيح أن النموذج أو النماذج المهيمنة اليوم تظل غربية إلى يومنا هذا، إلا أن الغرب مهما بدا عيه من تفوق لا يلخص مصير العالم وشعوبه، وربما يكون مجرد حدث عابر لا غير على حد تعبير روجي جارودي.
س2: لماذا ركزت على رؤية فيبر في العلمانية والحداثة ؟ وهل ترى أن نظرية فيبر هي الأكثر تجذرا في الواقع الغربي الحالي؟
ج: اخترت التركيز على رؤية ماكس فيبر لاعتبارين اثنين: أولا لما وجدته عند فيبر من عمق وجدة واضحين، ومن ذلك شمولية الرؤية التي قدمها سواء للعلمانية أو الحداثة على السواء. ثانيا لقد ظل النص الفيبري موضع تأويل واستدعاء مستمرين من طرف جل الباحثين والمفكرين الغربيين، بل إن مجمل الأدبيات النقدية والاحتجاجية على تجربة الحداثة نهلت من الميراث الفيبري بشكل أو بآخر، وهذا ما يسمح بالقول إن أي قراءة جادة للاجتماع السياسي الحديث لا يمكنها تجاهل أطروحات هذا المفكر وعالم الاجتماع الكبير، مهما كانت التحفظات أو المؤخذات.
العلمانية عند ماكس فيبر مثلا لا تقتصر على فصل الكنيسة عن الدولة أو حتى فصل الدين عن السياسة على نحو ما و شائع في الأدبيات الغربية والعربية على السواء، بل هي عنده ظاهرة شاملة ومركبة تمس مختلف مناحي الوعي الفردي والجماعي وتنساب في سائر مؤسسات الاجتماع الحديث وشعاب الحياة. ليست العلمانية من وجهة نظر فيبر مجرد تحول في مستوى الوعي والمنظورات، ولا هي مجرد أطروحات فكرية روج لها الفلاسفة والمنظرون، بل هي، أولاً وقبل أي شيء، حركة تاريخية كاسحة وجامحة تربك مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية السائدة. فهي ليست مجرد رؤية للكون ذات منحىً دهريّ أو إلحادي جلجل به بعض المفكرين والفلاسفة، ولكنها بالدرجة الأولى هي تجسيد حي ومتلاحق لدهرنة البنى الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم أن فيبر يؤكد في مواضع مختلفة، وخصوصا في كتابه الشهير الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية، بأن الدين "الرشيد" (يقصد البروتستانتية)، قد كان محفزا لنشأة الحداثة عامة، والرأسمالية الحديثة خاصة، إلا أنه (أي الدين) لا يقوى على مواجهة إكراهات الحداثة التي تتحول بعامل الوقت إلى ما يشبه المنظومة الشاملة والقاهرة التي تمتص كل شيء بداخلها على ما يقول. كما أن فيبر لا يتردد في إبراز الأبعاد المخيفة والوجوه المظلمة في مسار الحداثة والعلمنة في إطار ما أسماه بالقفص الحديدي للحداثة كناية عما يطبعها من وجوه إكراه وضبط فائقين،وذلك خلافا للأدبيات الغربية التي غلب عليها الطابع التبشيري والاحتفائي بتجربة الحداثة.
أما عن سؤالك عما إذا كانت القراءة الفيبرية هي الأكثر تعبيرا عن الواقع الغربي اليوم، فجوابي على ذلك بنعم ولا في نفس الوقت.
نعم الكثير من الجوانب التي استقرأها أو حتى تنبأ بها فيبر حول مسار الحداثة والعلمنة، وخصوصا في المجالين الرقعتين الأوروبية والأطلسية، تبدو ماثلة أمام أبصارنا اليوم ، وما عادت مجرد افتراضات نظرية أو توقعات مستقبلية. من ذلك تراجع دور الدين أو الأديان عامة في الكثير من المجالات الخاصة والعامة، بما في ذلك في تلك التي لعب الدين دورا في تشكيلها أو دفعها على هذا النحو أو ذاك ، وكذا غلبة النزعة الحسابية والبراجماتية على بنى الوعي والاجتماع الحديث ، فالإنسان الحديث على ما يقول فيبر لا ينشد سوى النجاعة والمردودية في هذا العالم الدنيوي ولا يعبأ كثيرا بالوعود الغيبية والدينية، فالحداثة على ما يذكر فيبر تتسم بطغيان الفضاء الاقتصادي الرأسمالي وآليات الضبط البيروقراطي على سائر الحقول الاجتماعية والقيمية الأخرى ، وهذه كلها الجوانب التي تحدث عنها فيبر صحيحة ولا يمكن إنكارها أو إشاحة النظر عنها بأية حال من الأحوال.
بيد أن القراءة الفيبرية لا تخلو من مبالغات وادعاءات كونية مشطة كما هو شأن جل الفلاسفة والاجتماعيين الغربيين الذين يتصورون أن ما جرى ويجري في باريس ولندن أو نيويورك يلخص روح التاريخ ومصائر البشرية عامة. فالدين مثلا لا يسير ضرورة نحو التراجع أو الاندثار على نحو ما تصور فيبر، بل نحن نشهد اليوم حالة استفاقة دينية في الكثير من بلاد العالم ، ولعل هذا ما حدا ببعض الباحثين الغربيين الحديث عما أسموه انفجار المقدس وما بعد العلمانية على منوال ما بعد الحداثة وما شابه ذلك . بل إنه في بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد أكثر بلاد العالم تحديثا وتصنيعا تقرب نسبة مرتادي الكنائس ما يربو على خمسين بالمائة ، مثلا.
فعلا الحداثة تشكل ضغطا على الدين أو الأديان عامة بحكم ما يصحبها من نزوعات دهرية ، ولكنها لا تؤدي ضرورة إلى نهايتها واندثارها على نحو ما تصور فيبر، وإن كنا لا ننفي كونها تفرض عليها تعديلا في أشكال التعبير والوظائف. وإذا تجاوزنا الجانب النظري وركزنا أكثر على الواقع العيني فإن الظاهرة التي تلفت الانتباه خصوصا في الرقعة الإسلامية غياب الترابط الحتمي بين التحديث والعلمنة على نحو ما افترض فيبر، ومن ذلك ما نراه من تمدد المظاهر الإحيائية وسط القطاعات الحديثة في المجتمعات الإسلامية خصوصا، ولعل القاعدة الأقرب إلى واقع العالم الإسلامي هي أن الحداثة تقوي دور الدين ولا تضعفه. الإسلام اليوم أكثر حضورا في المدن والحواضر منه في الأرياف والبوادي، وبين القطاعات الحديثة والمتعلمنة منه إلى القطاعات الحديثة. ومع ذلك لا أستطيع أن أجزم إثباتا أو نفيا بأن الروحانيات أو الاستفاقات الروحية على اختلافها يمكنها أن تصمد أما سطوة الحداثة المادية العاتية والمعولمة. لا نملك اليوم سوى الرصد والمتابعة بدل الركون إلى التنبؤات والتوقعات، فالباحث أو عالم الاجتماع ليس من دوره ممارسة التنجيم وقراءة الكف. لأن المستقبل لا يعلمه إلا الله.
س3: ألا ترى أن المنظومة الروحية المسيحية والمنظومة الدنيوية العلمانية تمثلان نظام الرؤية الغربية الموحدة مقابل نظام الرؤية الإسلامية القائمة على التكامل بين الديني والدنيوي؟
ج: هذا الأمر صحيح إلى حد بعيد، وقد سبق أن بينا في عملنا المتواضع "في العلمانية والدين والديمقراطية" إن إحدى المعضلات والثغرات التي تواجه النظريات الاجتماعية الغربية تعود إلى تعريفاتها القاصرة والاختزالية للديني والعلماني على السواء.
الديني في السياق الغربي، بما في ذلك في الحقبة المسيحية المبكرة يقابل كل ما هو زمني ودنيوي، وهو يتموضع في المحل الديني أي الكنيسة، وعند البحث الدقيق يتبين أن أصل هذا المفهوم يعود إلى جذور رومانية وثنية قد تم استيعابه في الوعاء اللاهوتي المسيحي.. فقد كان الرومان يطلقون على ممارسة طقوسهم وشعائرهم الوثنية كلمة ريلجيو ((religio. وحينما قام سان جيروم بترجمة الإنجيل إلى اللاتينية أواخر القرن الرابع الميلادي، نقل مع هذه الترجمة كلمة ريلجيو على نحو ما استقر عليه المعنى الأصلي في البيئة الرومانية التي تشبع بها، ومنه تواصل فيما بعد في أغلب اللغات الأوروبية الحديثة.
أما في السياق الإسلامي فإن الديني يحمل بعدا دنيويا مثلما أن كل ما هو ديني يحمل بعدا روحيا دينيا، ولعل أفضل من كتب في هذا الموضوع فيلسوف الإسلام الكبير محمد إقبال في مؤلفه الشهير تجديد التفكير الديني في الإسلام.
يبدو لي أن إضافة الإسلام الكبرى تتمثل في تغيير معنى الديني أصلاً من خلال وصله بالدنيوي، وتغيير معنى الدنيوي عبر وصله بالروحي والديني، بما يجعل الواحد منهما وثيق الصلة بالآخر. ويمكن القول هنا إن الإسلام يؤسس ضرباً جديداً من الدنيوية يمكن تسميتها بالدنيوية المتعالية، أو الدنيوية الروحية ، كما أنه يعطي دلالة جديدة لمعنى الروحي والديني في إطار ما يمكن تسميته بالروحية الدنيوية
س4: بناء على ما سبق ذكره ألا ترى أنه يتوجب على علماء الإسلام وأكاديمييه أن يبحثوا عن الأنظمة السياسية والاقتصادية ضمن إطار الأنساق والرؤية الإسلامية بدل اللجوء إلى الترقيع الفلسفي والفكري، وأن يذهبوا بعيدا إلى عمق المشروع بدل الاقتصار على المسائل الإجرائية؟
ج: أن أي عملية تجديد جادة لابد أن تكون ضاربة بعروقها في الأرض التي تقف عليها ومستجيبة لحاجات الناس ومصالحهم، كما أنه يتوجب عيها في الوقت نفسه تتحسس ما يمكن تسميته هنا بروح العصر وفهم إكراهاته. للأسف الشديد جل التحولات التي وقعت من حولنا خلال القرون الثلاث الأخيرة لم نكن نحن المسلمين طرفا فاعلا فيها، بقدر ما كنا في الغالب الأعم ضحاياها. كل هذا يفرض علينا اليوم جهدا مركبا في العودة الفاعلة والمتبصرة لميراثنا الإسلامي بالغ الثراء، ولكن مع تمثل العصر بروح نقدية وبناءة في نفس الوقت. وأستعمل هنا كلمة عودة بشيء من التحفظ لأن الموروث أو الماضي ليس ما يقف خلف ظهورنا، بل كثيرا ما يحل بيننا ويأتي صوبنا. ولك أن تقول هنا بأننا في حاجة إلى ضرب من الاجتهاد المضاعف في الموروث وفي الحداثة في نفس الوقت لأن كل منهما صار جزء صميم حاضرنا وربما مستقبلنا بما لا يمكن تجاهله. فإيران ما بعد الثورة قاومت كثيرا للعودة إلى ماض شيعي مبرأ من التأثيرات الحداثية الغربية ولكنها قهرت على أمرها في قبول الكثير من الظواهر الكريهة إلى نفسها، وتركيا العلمانية قاومت كثيرا لتمثل حداثة متغربة لا صلة لها بالتاريخ والذاكرة الجمعية للأتراك ولكنها غلبت على أمرها في ابتلاع ما لا ترغب فيه ميراث الإسلام والماضي العثماني الكريه إلى عقل وقلب عساكرها.
يجب أن نميز هنا بين استراتيجيتين مختلفتين في التعامل مع الوافد: الأولى تقوم على عمل استيعابي ونقدي للوافد الأجنبي ، أي الوعي بتاريخية ونسبية ما يتم نقله واقتباسه مع ضرورة تعديله وتطويره، والثانية تتأسس على عمل توفيقي وحتى تلفيقي من بعض الوجوه ينشد الضم والإلحاق عبر آلية القياس والمشابهة لا غير، وربما تبدو الروح الثانية هي الغالية اليوم على جل الكتاب والمفكرين الإسلاميين منذ تجربة الإصلاحيين الإسلاميين أواسط القرن التاسع عشر مع السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده على جلال قدرهما وعظم دورهما. أقول هذا لأنه مهما كانت انتقاداتنا أو تحفظاتنا على المدرسة الإصلاحية الحديثة إلا أنه لا يمكن الانتقاص من دورها في تجديد وضع الإسلام في العصر الحديث، وبهذا المعنى يمكننا أن تقول بأننا كلنا تلاميذ الأفغاني وعبده ورشيد رضا بشكل أو بآخر، ومهما كانت انتقاداتنا لهذه المدرسة.
إن الحضارة الحية والفاعلة هي التي تستطيع إعادة صياغة الوافد وتأويله على نحو جديد حتى يتحول إلى جزء من النسيج الداخلي وتتضاءل فيه البصمات الخارجية. هذا ما فعله المسلمون عند تعاطيهم مع روافد ثقافية وحضارية كثيرة تلقوا عنها وأخذوا منها، كما هو حال الأوروبيين في عصر نهضتهم وما بعد. وأخلص من كلذلك إلى القول بأنه يتوجب اليوم على مفكري الإسلام وباحثيه الجادين امتلاك إدراك عميق بالفكر الإسلامي والفكر الغربي على السواء. فلست مع التكرار السلبي لما يقوله الآخرون تحت إدعاءات حداثية وكونية مضللة، ولا مع الانعزال التام تحت دعاوى الخصوصية أو الأصالة المنغلقة على نفسها.
س5 : لماذا يرى بعض المفكرين قصور قيمة الشورى ومن ثم ضرورة تلبيسها بالديمقراطية؟
ج : هذا الأمر يعود إلى سبب رئيس هو أن تجربة الشورى التاريخية بما لها وما عليها قد غابت أو في الحد الأدنى ضعف أثرها في حياتنا الراهنة إلى حد بعيد. فحينما تتحدث عن الديمقراطية فأنت تشير إلى نموذج أو نماذج قائمة على الأرض، وهي إلى جانب ذلك نماذج امتلكت سطوة هائلة في التأثير والشيوع العالمي بسبب ما يمتلكه الغرب الليبرالي من أدوات القوة والتأثير الصلب والناعم، خصوصا بعد هزيمة الفاشية والنازية ثم تفكيك النموذج الشيوعي بعد ذلك. كما أن الديمقراطية الغربية أثبت وجوها من النجاعة العملية رغم ما يطبعها من وجوه قصور كثيرة ليس هذا موضع الحديث عنها الآن. أما إذا تحدثت عن الشورى الإسلامية فإنك تحيل غالبا إما إلى تجربة تاريخية انقطع حبل استمرارها، وبقيت مجرد أفكار مبثوثة في بطون الكتب والمدونات الفقهية والأصولية، أو تطلعات تسكن وعي وضمير المسلمين. وأنا لا أرى ضيرا في تجديد الشورى بالديمقراطية أي الأخذ ببعض الوسائل والإجراءات الديمقراطية التي تساعد على تجدد تجربة الشورى وتفعيلها، شريطة الوعي بمحوددية وتاريخية ما يتم أخذه واستعارته. النماذج السياسية ليست مجرد تطلعات وأحلام، على أهمية الأحلام والتطلعات في حياة الأمم والشعوب- بل هي أكثر من ذلك تكتسب أهميتها من خلال قدرتها على تقديم الأجوبة العملية والاستجابة لحاجات الاجتماع السياسي. بقي لي أن أشير هنا أن الآليات الديمقراطية ليست كتلة صماء ومكتملة بدورها بل لا بد من أن تعمل فيها آلية التهذيب والتشذيب من دون خجل أو تردد.
ليس عيبا أن يتم استعارة مؤسسات أو حتى أفكار من أمم أو ثقافات أخرى، بيد أن هذه عملية تفاعلية تقتضي أولا: الوعي بتاريخية ونسبية ما يتم نقله ثانيا إعادة تعديل وتصويب ما يتم نقله بما يستجيب لحاجات وأولويات الاجتماع المنقول إليه.
س 6 : هل الديمقراطية مسألة إجرائية بريئة، ثم هل هي مدارس شتى أم مدرسة واحدة، وفيها ما يمكن أن ينسجم مع منظومة الاعتقاد والقيم الإسلامية وفيها ما يصل حد ملامسة الشرك؟
ج : هذا الأمر يذكرني بالسجال الفكري غير المباشر الذي دار بين أبي حامد الغزالي وابن تيمية من بعده حول المنطق والقياس الأرسطي تحديدا . فرغم ثورة الغزالي الجامحة على الفلسفة وتشنيعه على الفلاسفة إلى حد التكفير فقد نافح على الصلاحية الكونية لعلم المنطق باعتباره بحسب تعريفه آلة محايدة "تعصم الذهن من الخطأ"، إلا أن ابن تيمية جاء من بعده ليعقب عليه ويقول بأن المنطق اليوناني وخصوصا في صيغته الأرسطية ليس إلا انتزاعا عقليا لنظام اللغة والتصورات الدينية والفلسفية اليونانية ومن ثم ليس من اليسير قبول القول بأنه مجرد آلات إجرائية محايدة بإطلاق. وإذا تأملت الأمر بشيء من التروي تجد أن قراءة ابن تيمية هي الأكثر صحة وتماسكا، بيد أن عملية النقد التيمي ما كان لها أن تتم أو ترى النور من دون الجهد اللاستيعابي والتأسيسي الذي دشنه الغزالي من قبله.
نعم لا توجد آليات بريئة وكونية بإطلاق، لأن كل الآليات والإجراءات تتخلق في سياق ثقافة وخبرة تاريخية معينة ، مثلما تقول إن المحراث لا قيمة له من دون عملية الحرث والتربة التي يتعاطى معها، أو المنهج يتخلق ويتطور في إطار الموضوع الذي ولد واشتغل فيه، ولكن هل معنى ذلك أنه لا يوجد محراث أو منهج قابل للاشتغال خارج الحقل الخصوصي الذي ولدا أو نما فيه؟ الجواب نعم الآلات فيها من الخصوصية بقدر ما فيها من آفاق الكونية.
بهذا المعنى يسعنا القول بأن الآليات الديمقراطية تحمل في أحشائها قدرا قليلا أو كثيرا من ميراث التجربة الليبرالية الغربية التي تخلقت وتطورت في أجوائها، ومثال ذلك أن المنافسة الانتخابية مثلا إذا نظرت إليها من زاوية فيمكنك أن تقول أنها مجرد آلة من الآلات المحايدة، ولكن إذا نظرت إليها من جانب آخر تجدها تحمل روح الصراع والمنازعة الشديدة التي بنيت عليها الفلسفة السياسية الحديثة منذ مكيالفيلي وهوبس وما بعدهما. ومع كل ذلك أقول إن بعض الآليات والوسائل، لما تثبته من نجاعة عملية، تظل قادرة على تخطي الخصوصية والارتقاء إلى العالمية شريطة أن يعمل فيها منهج التعديل والتطوير.
إذا تحدثت عن الديمقراطية بمعنى الأسس الليبرالية التي قامت عليها والتي هي عند التحقيق خليط مركب من المواريث الاغريقية والرومانية والمسيحية المعلمنة، فستجد فيها ما يصادم أساسيات التصور الإسلامي من بعض الوجوه، إلا أنه يبدو لي أن الفكر الإسلامي الحديث قد نحى المنحى البراجماتي والعملي في التعاطي مع الديمقراطية، أي النظر إليها باعتبارها جملة من الإجراءات والوسائل التي تصلح للتخفيف من وطأة الاستبداد وتنظيم الحياة السياسية بشكل رشيد. هذا المسلك الذي سلكه الشيخ عبده والشيخ وتلميذه رشيد رضا وشكيب أرسلان وعبد الرحمان الكواكبي والطاهر بن عاشور منذ أواسط القرن التاسع عشر وما بعده، ونجده اليوم مستمرا مع الكثير من المفكرين والسياسيين الإسلاميين أمثال الشيخ القرضاوي والشيخ الترابي والشيخ الغنوشي والدكتور سليم العوا وغيرهم، وهو منهج ليس مخطئا، إلا أنه يتوجب أن نضيف هنا أن هذه الوسائل على أهميتها هي إجراءات تاريخية تحمل بصمات النشأة والتكوين ومن ثم يتوجب بذل جهد فكري وسياسي في تعديلها وتطويرها، بما يناسب نظام التصورات والقيم الإسلامية، ويستجيب لحاجات المجتمعات الإسلامية.
ما يدعو إلى القلق فعلا ليس عملية اقتباس الوسائل والإجراءات في حد ذاتها على نحو ما دعا إلى ذلك رجال التنظيمات ومن بعدهم الإصلاحيين الإسلاميين منذ بداية القرن التاسع عشر، فالحضارات ليست جزرا معزولة ومغلقة بل هي تأخذ من بعضها البعض، ولا ضير في ذلك. المقلق حقا هو أن عملية الاقتباس هذه تتم في ظل سيطرة غربية واسعة النطاق واختلال هائل في موازين القوة الأمر الذي لا يضمن فعلا ألا يتم تجيير أو توظيف عملية الاستيعاب أو الاقتباس هذه لصالح القوي المتغلب على الأرض، على نحو ما جرى في تجارب إصلاحية معوقة سابقا، بدءا من تجربة التنظيمات في الدولة العثمانية ومرورا بتجربة خير الدين باشا في تونس، ومحمد علي في مصر. فقد كان كل هؤلاء يراهنون على تجديد أوضاع العمران الإسلامي وتدارك أخلاله الداخلية، إلا أن هذه العملية انتهت فيما بعد إلى نوع من التفسخ الهائل، بل التطويح بما تبقى من عرى السلطنة العثمانية.
بيد أن ما يدعو إل الإطمئنان بعض الشيء ما تشهده الرقعة الإسلامية من استفاقة وحراك محسوسين، بما يجعل من الممكن توجيه عملية الاقتباس أو الإصلاح هذه لصالح القوى المحلية، وتغليب الأجندة الداخلية على الأجندة الخارجية هذه المرة. خذ مثلا مشروع الإصلاحات الأمريكي الذي نادت به إدارة بوش في إطار رؤيتها الطموحة لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والثقافية في المنطقة فقد تم التقاطه من أيدي المحافظين الجدد، وأعيد توجيهه من "طرف قوى الممانعة" في فلسطين ومصر وغيرها بما أدخله في مأزق حاد مازال يتخبط فيه إلى يومنا هذا.
وهكذا أصبح مشروع الدمقرطة حبل مشنقة لفريق المحافظين الجدد بدل أن يكون حبل مشنقة لخصومهم، خاصة وأنه جاء في أجواء توحل أقدام الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان. ما أردت قوله هنا أنه يتوجب النظر إلى أي مشروع سياسي من خلال موازين القوى التي تحكمه، ونوعية الفاعلين الاجتماعيين الذين يتحركون به على الأرض بدل اختزاله في الجانب النظري المجرد . وحتى مسألة المحافظة والتجديد يجب النظر إليها من هذه الزاوية، فقد تكون المحافظة وحتى الجمود في ظروف معينة مطلوبة وإيجابية، ويكون التجديد في ظروف أخرى هو الأدعى والأهم. فالمحافظة والتجديد ليستا مشاريع نظرية مجردة أو عقائد سياسية مغلقة بل هما حركة حية يقوم عليها بشر وتحكمها موازين قوة على الأرض. وربما يحتاج المرء أن يكون محافظا وتجديديا في نفس الوقت، وكذا هو الأمر بالنسبة لشأن المجتمعات والجماعات التي لن تستطيع الحفاظ على توازنها إلا بضرب من التوليف بين المحافظة على الأسس والتجديد في الوسائل والمناهج.
س 7 :الملاحظ أن الدولة في التاريخ الغربي كانت صانعة نظام المعايير والقيم العامة، مثلما كانت تثبت أو تهمش من تشاء، في حين أن وظيفة الدولة في السياق الإسلامي تختلف عن ذلك تماما؟
ج : نعم هذا أمر لا مراء فيه، فالمتابع للتاريخ السياسي الغربي الحديث يلحظ أن الدولة القومية الزمنية قد أصبحت الفاعل الأكبر في صياغة التصورات والقيم وتحديد والمسالك الخاصة والعامة من خلال سيطرتها على حقول التعليم والثقافة العامة وسائر مؤسسات الرعاية والتوجيه، فضلا عن احتكارها للسلاح وأدوات القوة في إطار ما بات يعرف اليوم في علم الاجتماع السياسي بالاستخدام المشروع للعنف تحت دعاوى حماية الأمن العام وضمان السلم المدني. لقد حلت الدولة الحديثة محل الكنيسة، بل أخذت الكثير من وظائفها وأدوارها في قالب زمني.
وبغض النظر اليوم عن الطابع الذي أخذته الدولة الحديثة وسواء كانت شمولية أو ليبرالية فإنها تتسم بطابع تدخلي هائل في حياة الأفراد والجماعات، وحتى مقولة الحياد هنا يجب أخذها بقدر من الحذر والحيطة. هكذا تريد الدولة الليبرالية أن تقدم نفسها ولكنها في واقع الحال تشتغل على نحو مغاير.لقد أصبحت الدولة الحديثة بما في ذلك في شكلها الليبرالي الناعم، ومع توسع أدوات الرقابة والضبط التي تتيحها التقنيات الحديثة بمثابة آلة ضخمة وعين خفية ورقيبة على الجميع. خذ مثلا اليوم عمليات الرقابة الهائلة التي تمارسها الدولة الليبرالية على مواطنيها من خلال ترصد المكالمات الهاتفية وشبكة الانترنت وزرع الكاميرات في كل ركز وزاوية، فضلا عن الإجراءات الأمنية التي تمس بأبسط الحقوق المدنية والإنسانية اليوم في أجواء محاربة الإرهاب.
إن الدولة الحديثة إلى جانب قوة الاقتصاد الرأسمالي هي من بين أكبر رافعات العلمنة فعلا في عصرنا الراهن ، ولعل أخطر ما في فكرة الحداثة هذا التمركز الشديد حول الدولة، ولهذا السبب يخيفني كثيرا مطلب الدولة الإسلامية، لأن قد يحمل في طياته إعادة استننساخ نموذج الدولة الغربية الحديثة في قالب إسلامي من دون إعمال الفكر والنقد في هذه الآلة التي يراد أسلمتها وتطويعها، وربما المراهنة على أسلمة ما لا يمكن اسلمته أصلا. لست مبالغا إذا قلت إن أقرب طريق للعلمانية، أو حتى لعلمنة الإسلاميين، هو التعلق بالدولة التي هي أشبه ما يكون بالآلة الجهنمية الضخمة التي تطوع الأشخاص وتقهر الأفكار والايديولويجيات، ويزداد الأمر خطورة حينما يفكر الإسلاميون في موضوع الدولة من خلال الأوعية القطرية الضيقة والمأزومة أصلا. للأسف إن موضوع الدولة مازال لم يحظ بعد بما يكفي من التفكير والتأمل الجادين في الساحة الإسلامية.
لعل أهم عبقرية توفر عليها التاريخ السياسي الإسلامي ومازالت تحمل قدرا من الصلاحية إلى يومنا الراهن، تلك القدرة الخلاقة في الحد من وظائف الدولة إلى أضيق نطاق ممكن، مقابل توسيع فاعلية المجتمع والمؤسسات الأهلية، فقد تمكن العلماء والجماعات الأهلية منذ وقت مبكر من انتزاع نظام الوقف والمسجد والسوق من تحت أنياب الدولة ومن ثم حولوها إلى مجرد إدارة تنفيذية عامة وليس أكثر. وربما لهذا السبب حافظ الاجتماع الإسلامي على قدر كبير من انتظامه واستمراره رغم تقلبات الحكم وصراع السلاطين. فعلا نحن اليوم في حاجة إلى استلهام هذا النموذج التاريخي ومزيد المراكمة عليه وتطويره بما يستجيب لحاجات مجتمعاتنا الراهنة.
تعليق مستعجل :
ليس لنا على هذا الحوار من تعليق مستعجل غير ملاحظتين تنطلقان من المقارنة بين الكتاب كما هو مقدم في التمهيد وبين ما جاء في الحوار من بعد :
1- هل الديمقراطية هي "آلات إجرائية وظيفية" ؟
يقول صاحب العرض: وأما الباب الثالث فأفرده الكاتب للديمقراطية التي أصبحت "مطلبا لقوى سياسية وتيارات فكرية كثيرة في عالمنا العربي والإسلامي"، فرجح أن الديمقراطية إن هي إلا "آلات إجرائية وظيفية قد تصلح لعلاج معضلة التسلط والاستبداد السياسي، وليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والأديان، ولا هي حل سحري يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي".
وهذا قول إذا قارناه بما ورد في بقية الحوار ، أقل ما يقال فيه أنه غير دقيق ، بل في أصله هو غير صحيح .
2 – هل الكتاب ممهد لآفاقِ مراجعاتٍ وبدائل الحضارية ؟
هذا الكتاب قد كُتب منذ سنوات تطورت في أثنائها الأوضاع ، كما يمكن أن يكون الكاتب هو نفسه قد تطورت في أثنائها أفكاره ورؤاه. بل الملاحظ أن الخلفية التي حكمت الكاتب لم تتناول القضايا والإشكالات بآفاق المراجعات والبدائل الإسلامية بوضوح . ولعل ذلك لأن الكاتب لازال في بداية مشواره ، ولازال لم يكتشف بعد حقيقة إمكانياته ، إضافة إلى ما تقتضيه آفاق المراجعات والبدائل تلك من مؤهلات نوعية. والكتاب في كل الحالات يمكن أن يعتبر من الكتب الممهدة والضرورية لذلك ، وأسئلتنا وحوارنا في حقيقة الأمر أرادا أن يتطلعا إلى تلك الآفاق وكأنهما تحفزان الدكتور إلى التطلع إليها بحثا وحوارا وكتابة.
ولله الأمر من قبل ومن بعد
انتهت بحمد الله الحلقة الخامسة فإلى السادسة إن شاء الله